لوم اللغة والادب ج4

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

لوم اللغة والادب ج4

مُساهمة  نازك الملائكة في السبت مارس 10, 2012 8:17 pm

تعريف القصر
(القصر) هو الحصر والحبس لغة، قال تعالى: (حور مقصورات في الخيام).
واصطلاحاً هو: تخصيص شيء بشيء، والشيء الاول هو المقصور، والشيء الثاني هو المقصور عليه.
فلو قلت: (وما محمد الا رسول) قصرت محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) في الرسالة، بمعنى: انه ليس بشاعر، ولا كاهن، ولا إله لايموت... فمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) مقصور، والرسالة مقصور عليها.
ولو قلت: (ما الرسول في آخر الزمان إلا محمد صلى الله عليه وآله وسلم) قصرت الرسالة في آخر الزمان على محمد ‏(صلى الله عليه وآله وسلم)، بمعنى: أن (مسيلمة) و(سجاح) ومن لف لفهم، ليسوا بمرسلين، فالرسالة مقصورة ومحمد مقصور عليها.
طرق القصر
وللقصر طرق كثيرة: كالاتيان بلفظ (فقط) أو (وحده) أو (لاغير) أو (ليس غير) أو توسّط ضمير الفصل، أو تعريف المسند إليه، أو لفظ (القصر) أو (الاختصاص) أو ما يشتق منهما.. أو نحوها ممّا عدّها بعضهم الى أربعة عشر طريقاً.
لكن الاشهر المتداول في كلام العلماء أربعة:
1 ـ القصر بالنفي والاستثناء، قال تعالى: (وما محمّد إلا رسول قد خلت من قبله الرُسُل).
2 ـ القصر بـ (انّما)، قال تعالى: (إنَّما يخشى الله من عباده العلماء).
3 ـ القصر بحروف العطف: (لا) و(بل) (ولكن) كقوله:
عمر الفتى ذكره لا طول مدّته وموته خزيه لا يومه الدانـي
وقوله: (ما الفخر بالنسب بل بالتقوى).
4 ـ القصر بتقديم ما حقه التأخير، قال تعالى: (ايّاك نعبد وايّاك نستعين).
ثم ان المقصور عليه في الاول: هو المذكور بعد أداة الاستثناء، كالرسالة.
وفي الثاني: هو المذكور في آخر الجملة، كالعلماء.
وفي الثالث: هو المذكور ما قبل (لا) وهو: ذكره، وخزيه، والمقابل لما بعدها كقوله: (الفخر بالعلم لا بالمال) والمذكور ما بعد (بل) و(لكن) وهو: بالتقوى، وبالأدب.
وفي الرابع: هو المذكور مقدّماً، كـ (ايّاك).
أمور ترتبط بالقصر
هنا أمور ترتبط بالقصر:
1 ـ القصر يحدّد المعاني تحديداً كاملاً، ولذا كثيراُ ما يستفاد منه في التعريفات العلمية وغيرها.
2 ـ القصر من ضروب الايجاز وهو من أهم أركان البلاغة، فجملة القصر تقوم مقام جملتين: مثبتة ومنفية.
3 ـ يفهم من (انما) حكمان: اثبات للشيء والنفي عن غيره دفعة واحدة، بينما يفهم من العطف الإثبات أوّلاً والنفي ثانياً، أو بالعكس، ففي المثال السابق: الخشية للعلماء دون غيرهم، والفخر للتقوى لا للنسب، مع وضوح الدفعة في الاوّل، والترتّب في الثاني.
4 ـ في النفي والإستثناء يكون النفي بغير (ما) أيضاً، قال تعالى: (إنْ هذا إلاّ ملك كريم).
ويكون الاستثناء بغير (الا) أيضاً، كقوله:
لم يبق سواك نلوذ به مـما نخشاه من المحن
5 ـ يشترط في كل من (بل) و(لكن) ان تسبق بنفي أو نهي، وأن يكون المعطوف بهما مفرداً، وأن لا تقترن (لكن) بالواو، وفي (لا) أن تسبق بإثبات وأن يكون معطوفها مفرداً وغير داخل في عموم ما قبلها.
6 ـ يدلّ التقديم على القصر بالذوق، بينما الثلاثة الباقية تدلّ على القصر بالوضع أعني: (الادوات).
7 ـ سبق أنّ الاصل هو أن يتأخّر المعمول عن عامله إلاّ لضرورة، أهمّها إفادة القصر، فإنّ من تتبع كلام البلغاء في تقديم ما من حقّه التأخير، وجدهم يريدون به القصر والتخصيص عادة.
أقسام القصر
للقصر قسمان:
1 ـ حقيقي: وهو أن يختص المقصور بالمقصور عليه بحسب الحقيقة والواقع، نحو (لا إله إلا الله).
2 ـ اضافي: وهو أن يختص المقصور بالمقصور عليه لا حقيقة بل بالقياس إلى شيء آخر معيّن، كقول الحطّاب لزميله: (لايوجد في الصحراء إلا حطباً رطباً) فإن النفي ليس لكل شيء حتى الانسان والحيوان، وانما للحطب اليابس.
وينقسم القصر الاضافي الى ثلاثة أقسام:
الاول: قصر الأفراد، وذلك فيما اعتقد المخاطب الشركة، قال تعالى: (إنّما الله إله واحد)رداً على من زعم التعدّد.
الثاني: قصر القلب، وذلك فيما اعتقد المخاطب عكس الواقع، كقوله: (وليس النبيّ سوى أحمد...) رداً لأتباع (مسيلمة) و(سجاح).
الثالث: قصر التعيين، وذلك فيما تردّد المخاطب كقوله: (ولم يك للحوض إلا عليّ عليه السلام) لمن تردّد.
وينقسم القصر ـ أعم من الحقيقي والاضافي ـ إلى:
1 ـ قصر الموصوف على الصفة، كما تقدّم في قوله تعالى: (وما محمّد إلاّ رسول). حيث قصر محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) في الرسالة.
2 - قصر الصفة على الموصوف، كما نقدّم في قوله تعالى: (إياك نعبُد) حيث قصر العبادة في الله تعالى، فلا نعبد سواه.


تعربف الوصل والفصل
(الوصل): عطف جملة على اُخرى بالواو.
و(الفصل): الإتيان بالجملة الثانية بدون العطف.
فمن الوصل قوله تعالى: (يا أيُّها الذين آمنوا اتَّقوا الله وكونوا مع الصادقين).
ومن الفصل قوله تعالى: (ولاتستوي الحسنة ولا السيّئة ادفع بالّتي هي أحسن).
والبلاغة في الوصل أن تكون بالواو، دون سائر العواطف.
ويشترط في العطف بالواو وجود الجامع الحقيقي بين طرفي الاسناد، أو الجامع الذهني.
فالحقيقي نحو: (يقرأ زيد ويقرأ عمرو) فإن القراءة والكتابة متوافقتان، وزيد وعمرو كذلك.
والذهني نحو: (بخل خالد وكرم بكر) فإن االمتضادّين كالبخل والكرم بينهما جامع ذهني، لانتقال الذهن من أحدهما إلى الآخر.
ولا يجوزأن يقال: ( جاء محمد وذهبت الريح) لعدم الجامع بين محمد والريح، ولا: (قال علي وصاح معاوية) لعدم الجامع بين القول والصياح ـ كذا قالوا ـ.
موارد الوصل
ويقع الوصل في ثلاثة مواضع:
1 ـ إذا اتّحدت الجملتان في الخبرية والإنشائية، لفظاً ومعنىً، أو معنى فقط، مع المناسبة بينهما، وعدم مقتضى الفصل.
فالخبريتان نحو قوله تعالى: (إنّ الابرار لفي نعيم وإنَّ الفجّار لفي جحيم).
والإنشائيتان نحو قوله سبحانه: (واعبدوا الله ولا تُشركوا به شيئاً).
والمختلفتان نحو قوله تعالى: (إنّي اُشهد الله واشهدوا أنّي بريء ممّا تُشرِكون).
فالجملة الثانية وإن كانت انشائية لفظاً، لكنها خبرية معنى.
2 ـ دفع توهّم غير المراد، فإنه إذا اختلفت الجملتان خبراً وإنشاءاً، ولكن كان الفصل موهم خلاف المراد وجب الوصل، كقولك في جواب من قال: (هل جاء زيد): (لا، وأصلحك الله) فإنك لو قلت: (لاأصلحك الله) توهّم الدعاء عليه، والحال أنك تريد الدعاء له.
3 ـ أذا كان للجملة الاولى محل من الاعراب، وقصد مشاركة الثانية لها، قال تعالى: (إنّ الذين كفروا ويصدّون عن سبيل الله) حيث قُصد اشتراك (يصدّون) لـ (كفروا) في جعله صلة.
موارد الفصل
الأصل في الجمل المتناسقة المتتالية أن تعطف بالواو، تنظيماً للّفظ، لكن قد يعرض ما يوجب الفصل، وهي أمور:
1 ـ أن تكون بين الجملتين اتّحاد تامّ، حتى كأنهما شيء واحد، والشيء لا يعطف على نفسه، قال تعالى: (أمدكم بما تعلمون أمدّكم بأموال وبنين).
2 ـ أن تكون الجملة الثانية لرفع الإبهام في الجملة الاولى، قال تعالى: (فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدُلّك على شجرة الخلد).
3 ـ أن تكون الجملة الثانية مؤكدة للأولى، قال تعالى: (وما هم بمؤمنين يخادعون الله).
وهذه الموارد الثلاثة تسمى لما يكون بين الجملتين فيها من الإتّحاد التام بـ: كما الاتصال.
4 ـ أن يكون بين الجملتين اختلاف تامّ في الخبر والإنشاء أو اللفظ والمعنى، أو المعنى فقط، قال الشاعر: (وقال رائدهم: اُرسوا نُزاولها...).
5 ـ أن لايكون بين الجملتين مناسبة في المعنى ولا ارتباط، بل كل منهما مستقل، كقوله:
انّما المرء بأصــغريه كلّ امرىء رهن بما لديه
وهذان الموردان يسميان لما بين الجملتين من الاختلاف التامّ بـ: كمال الانقطاع.
6 ـ أن يكون بينهما شبه كمال الإتصال، بأن تكون الجملة الثانية واقعة في جواب سؤال يفهم من الجملة الاولى، فتفصل عن الاولى كما يفصل الجواب عن السؤال، قال تعالى: (وما اُبرّىءُ نفسي إنَّ النفسَ لأمّارة بالسوء).
7 ـ أن يكون بينهما شبه كمال الإنقطاع، بأن تسبق الجملة جملتان، بينهما وبين الاولى مناسبة، ويفسد المعنى لو عطفت على الثانية، فيترك العطف، دفعاً لتوهّم كونها معطوفة على الثانية، كقوله:
وتظنّ سلمى أنّني أبغي بها بدلاً، أراها في الضلال تهيم
فـ(أراها) يفسد لو عطف على مظنون سلمى ولذا يترك العطف.
8 ـ أن تكون الجملتان متوسطة بين الكمالين مع قيام المانع من العطف، بأن تكون بينهما رابطة قوية، ولكن منع من العطف مانع: وهو عدم قصد التشريك في الحكم، قال تعالى: (وإذا خلوا الى شياطينهم قالوا إنّا معكم إنَّما نحن مستهزِءون الله يستهزىء بهم).
فجملة (الله يستهزىء بهم) لايصح عطفها على جملة (إنّا معكم) لاقتضاء العطف أنه من مقول المنافقين، والحال أنه دعاء عليهم من الله.
كما أنه لا يصح عطفها على جملة (قالوا) لاقتضاء العطف مشاركتها لها في التقييد بالظرف، وان استهزاء الله بهم مقيّد بحال خلوّهم إلى شياطينهم، والحال أن استهزاء الله غير مقيّد بهذه الحال، ولذا يلزم الفصل دون الوصل.
واعلم: أن مباحث هذا الباب مغلقة كثيرة، والبسط في المطوّلات.

يتبــــــــــــــــــــــع................

نازك الملائكة
مشرف مادة اللغة العربية وآدابها
مشرف مادة اللغة العربية وآدابها

عدد المساهمات : 353
تاريخ التسجيل : 18/02/2012
العمر : 24

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى