انتقاد بعض النقاد للبارودي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

انتقاد بعض النقاد للبارودي

مُساهمة  نازك الملائكة في الثلاثاء مارس 06, 2012 5:37 pm

انتقد نقاد ومفكرون مصريون وعرب تَعُرُّضَ الشاعر محمود سامي البارودي للتجاهل من قبل نقاد وكتاب عرب قاموا بدراسة رواد عصر الاحياء وجهود المبدعين الكبار، مستثنين البارودي من دراساتهم، وقالوا في مؤتمر «البارودي بعد مائة عام» الذي اقامه المجلس الأعلى للثقافة في مصر مؤخرا، إن عباس محمود العقاد مثلا تعامل في كتابه «الديوان» مع الشعراء المعاصرين له برتبهم وذلك من قبيل السخرية منهم. كما لم يخص الشاعر السوري ادونيس، محمود سامي البارودي إلا بأربعة اسطر فقط في مختاراته، وتساءلوا لماذا تجاهلته مصر كل هذا الوقت لتتذكره بعد مائة عام من رحيله وطالبوا المجلس الأعلى للثقافة بتنظيم قراءات شعرية تعرف الجمهور بما قدمه البارودي من قصائد، إلا أن فعاليات المؤتمر انتهت دون تحقيق ذلك.

ورغم أن الكثير من النقاد والمبدعين المشاركين في المؤتمر حاولوا إنصاف ابداعات البارودي إلا أن الشاعر التونسي المنصف الوهايبي في مداخلة له اعترض على دراسة بعض قصائده من منطلق معطيات الدراسات الحديثة عبر التناص، وقال إن ما فعله البارودي كان سرقة تدرس من المنطلق النقدي للنقاد القدامى امثال ابن الصولي والامدي. واضاف الوهايبي أن الدراسات الحديثة ومعطياتها لا تنطبق على معارضة البارودي لأن ما قام به كان سرقة بينة وواضحة.

وفي مداخلة لحفيد البارودي، قال إن جده ظلم كثيرا وعندما عاد من منفاه في سرنديب حيث كان يعيش في غرفة لا تليق به، وقال أن املاكه ما زالت مُصَادرة حتى الآن ولم تردها الحكومة المصرية لعائلته.

وتحدث في إحدى جلسات المؤتمر الشاعر اللبناني شوقي بزيع عن شعر البارودي وشعر جبران، وقال إن المكان الذي نشأ فيه كل منهما اثر كثيرا على ابداعاتهما، وهذا يتجلى في الرصانة الواضحة في شعر البارودي ابن مصر التي تحاول دائما بما لها من دور ضبط الإيقاع العام في المنطقة ومنعه على المستويات المختلفة من الانفلات، أما جبران فقد كان شعره يتسم بالخفة والجموح وهو مستمد من طبيعة البيئة اللبنانية.

ورد على بزيع، الدكتور محمد فتوح احمد، مشيرا إلى أن المقارنة بين البارودي وجبران غير ممكنة بسبب اختلاف زمن كل منهما، منبها الى ما اعتبره الشاعر سليمان العيسي من أن عصر البارودي كان عصر غربة اللغة العربية، فكان الناس يتحدثون التركية وكان الشعر ركيكا وقد اخرجه البارودي من اغراضه السطحية ولغته الركيكة إلى عمقه العربي واصالته بما عارض من قصائد لكبار الشعراء العرب في العصور المختلفة العباسي والاندلسي والجاهلي والايوبي وغيرها.

واضاف الدكتور فتوح أن البارودي رد إلى المعاصرين بما ابدع من قصائد القدرة على مجاراة الاقدمين بما قدم من معارضات رد بها الاعتبار إلى الشعر المعاصر مما وضعه بعد ذلك في مرحلة الابتكار التي تميز بها ابداع البارودي في منفاه في جزيرة سرنديب.

وتحدث الدكتور فتوح احمد عن نوعين من التناص لدى البارودي هما التناص الصريح والمضمر وقد تمثل التناص الصريح في معارضات البارودي المباشرة والتي كان فيها حريصا على ايراد نص من القصائد التي كان يعارضها أو الاشارة لها، أما التناص المضمر فيمكن ملاحظته في اشتراك بعض قصائده في البنية الايقاعية مع غيرها من قصائد الاقدمين ويمكن النظر من هذا المنطلق إلى أن شعر البارودي كله يعتبر تناصا مع التراث العربي القديم، وكان فهم البارودي للشعر مشابها للفهم الذي اتكأ عليه النقد العربي القديم وهكذا انفتح شعره على الماضي عبر الاشارات التراثية والنفس الشعري والافكار، وهي سمة مشتركة بين قصائد البارودي والقصائد التي عارضها.

واشار الدكتور فتوح إلى أن بعض النقاد تعاملوا مع البارودي بنظرة ينقصها العمق، وهذا يمكن ملاحظته في المقدمة التي كتبها الدكتور محمد حسين هيكل لديوان البارودي، وقد وصفها فتوح بالتناقض وعدم الصواب حيث اعتمد هيكل في كتابتها على مبدأ الصدق الواقعي، والذي رأى انه ضروري للصدق الفني. وذكر فتوح أن قصائد البارودي التي جاءت اقل من غيرها لم يكن سبب ذلك عدم توافر الصدق الواقعي لها، لكن السبب أن البارودي لم يتمثلها جيدا، فالشاعر الجيد لا يعيش تجاربه لكي يكتبها بشكل جميل، وقال إذا اردنا أن نلتمس ابداعات البارودي العظيمة يمكننا أن نطالع قصائده في كامل عمقها في المنفى، وهي قادرة على تصوير لوحة بصرية مكتملة ساحرة بسبب لجوئه إلى الصور البسيطة. واضاف الدكتور فتوح أن رسالة البارودي لم تكن قاصرة على بعث الشعر العربي من الموت فقط وانما تجاوز ذلك إلى إعادة الديباجة للقصيدة العربية إلى كامل صفائها وبهائها.

وتحدث الناقد الدكتور عبد الناصر شعبان في دراسته حول «التناص في شعر البارودي.. دراسة تطبيقية»، مشيرا إلى أن نص البارودي تأسس على الخلاف مع النص القديم. ومن يتأمل النص التراثي يمكنه مثلا أن يلاحظ اختلاف فكرة الحب عند عنترة مثلا ومفهوم الحب عند البارودي الذي حول المحبوبة إلى رمز للوطن وهو لا يتناص مع المعنى الحرفي العربي للحب وقد وقف البارودي ضد نسق المديح وقيمه عند البحتري، وهذا واضح من مواقف البارودي المضادة التي قام بوضعها في ثقافة المديح.

وقال الشاعر احمد عبد المعطي حجازي ـ مقرر لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة ـ إن مصر بعد البارودي صارت وطن العربية الأول عندما نتذكر النهضة التي كان دما لها. واضاف أن هذه النهضة لم تكن في عصر البارودي نهضة شعر فحسب لكنها عبرت ذلك إلى الفكرة والعلم والسياسة والاقتصاد، وكما انبعث الشعر العربي من جديد على يد البارودي انبعث النثر على يد المويلحي والموسيقى على يد سلامة حجازي.

واضاف حجازي لقد انبعثت مصر كلها على يد جيل ناهض من العلماء والباحثين في الفن والثقافة والسياسة أمثال الامام محمد عبده وعبد الله النديم واديب اسحق والزعيم احمد عرابي والموسيقار سلامة حجازي، وهذه النهضة لم تكن لمصر وحدها بل كانت للثقافة العربية كلها، وذكر حجازي أن نهضة الشعر على يد البارودي لم تكن قائمة على مجرد ادوات ولغة بل كانت نهضة مثل عليا وقوى حية اعادت للشعر روحه وحيويته، فقد رفع البارودي الشعر إلى الذرى وابدعه غناء حرا جياشا للحب والمجد والحرية، ذلك ان الشعر عند البارودي لم يكن حرفة يمارسها في وقت وينفض يده عنها في وقت آخر، لم يكن قناعا بل لغة حياة وعقل وقلب ووجدان يلهج بها في الإقامة والترحال والاجتماع والانفراط. وقال حجازي إن حالنا الآن تشبه الحال التي سبقت ظهور البارودي ولهذا نحن نتطلع لنهضة جديدة وسيف جديد.

وتساءل الدكتور صلاح فضل، مقرر اللجنة الادبية والنقدية في كلمته: «هل البارودي في حاجة إلينا لكي ندرسه وقد صار جزءا من ضمير الأمة بعد أن جدد لغتها وبعث شعريتها وأنعش ذاكرتها بما استحضره من الابداع عبر عصور طويلة؟»، وقد كانت صورته التي عاد بها الى مصر بعد المنفى صورة النسر الجريح لكنه مع ذلك ما زال يحتفظ بلقبه سيد السيف والقلم، وهو علامة على ابعاد ثلاثة في شخصيته يتسم بها دوره التاريخي حيث تشير إلى تربيته الشعرية وتربيته القيادية وطموحه الثوري، ولم يكن امتلاكه للسيف مجرد مجاز شعر لكنه يرمز لمعارفه المهنية وانجازاته في المعارك التي خاضها في الميادين. أما امتلاكه لرمز القلم فيشير إلى معرفته الادبية العميقة حيث قام في شعره باحياء النماذج العليا الادبية في شعره وقد انتهى بسبب من عسكريته وقيادته العسكرية الى هذه الروح الثورية التي بثها في شعره.

ودعا الدكتور صلاح فضل إلى إعادة قراءة البارودي باعتباره أول الكلاسيكيين وذلك من اجل استلهام الروح الثورية الحقيقية في شعره وبعث القيم الحية فيه وحتى نقدم ابداعا جديدا يتصل بالماضي ونقيم همزة وصل بينه وبين الحاضر، وخلص فضل إلى أن البارودي تمكن من صناعة نموذج ابداعي جديد جاء نتيجة لتفاعله مع الثقافات الشرقية والتراث العربي الحي.

أما الشاعر حيدر محمود، فقد تحدث عن اثر البارودي على شعره وقال إن الاحتفاء به يأتي بمثابة رد اعتبار لقرن كامل من الزمان.

وتحدث الدكتور جابر عصفور، امين المجلس الأعلى للثقافة عن انحياز البارودي لقوى التقدم في لحظة زمنية صنعها وصنعته، مشيرا إلى أن البارودي انحاز إلى بذور النهضة في تبنيه لمبدأ الشورى والعدل الذي حلم به وقد رأى ان الابداع محرك للتاريخ. وقال عصفور: «اننا عندما نتذكر البارودي نتذكر هذه اللحظة التي نحن من ثمارها وعطائها، مشيرا إلى انه لولا رجال من امثال البارودي ما كانت الثورة العرابية وما كانت حركة التحرر المصري والعربي قد نمت بعد ذلك واستقوت ودبت فيها العافية فقامت ثورة 1919 وقد ظلت وما زالت باقية ومشتعلة إلى اليوم.

واضاف عصفور أنها ماثلة امامنا عندما نخوض معارك الديمقراطية ونقاوم طبائع الاستبداد في انحاء الوطن العربي. وتحدث عن حضور البارودي الإنسان والشاعر والرمز، وقال انه لم يعرف في داخله الدعة والضعف والصغر والتصاغر أمام احد حيث ظل متأبيا على الكسر حتى عندما انكسرت الثورة العرابية وذهب إلى منفاه الذي استمر 18 عاما. واشار عصفور إلى ان البارودي آمن أن الكلمة أهم من السيف والعقل أهم من القوة المادية، وقد بدأ حياته مؤكدا على التسوية بين السيف والكلمة وقد علمته التجارب التي مر بها أن الكلمة هي الأبقى والاقوى فالسيف من وجهة نظر البارودي إذا لم تحركه الكلمة تحول إلى قوة باطشة عمياء.

وتحدث الدكتور جابر عصفور عن دور البارودي في تأسيس ما سماه ادب المنفى، وقال إن كل من كتبوا ادب المنفى بعد ذلك هم أبناء وأحفاد الشاعر الرائد محمود سامي البارودي.

وفي مداخلة الدكتور مدحت الجيار «تأثير المنفى على شعر البارودي» لمح إلى ان ديوانه حفل بقصائد سياسية تحريضية ضد الوضع القائم في مصر آنذاك وقصائد في التحسر على الأيام الجميلة التي قضاها في مصر، وهناك قصائد في اثر الشيب والنكد المأساوي المخيم على مقامه في منفاه. وقال الجيار إن المنفى يقف بين طرفي المفارقة ليصل بين قصائد قالها البارودي في حال الوطن والشباب والأمان أيام وجوده في مصر وحاله في المنفى والتشريد الذي قاسى ايامه. وذكر أن البارودي وصل بينهما وراح يعلل التحولات الواضحة على مظاهر حياته وحواسه بل راح يفسر أزمته النفسية المستمرة التي جعلته يعتزل الناس ويعيش في وحدة ولذلك كثرت قصائده في الرثاء والغزل المشوب بالتذكر والذكرى والتأسيس والتصبر والتعقل والفخر بالنسب والجاه والشجاعة وامتلاك ناصية الكلمة. واشار الدكتور الجيار الى أن هذه القصائد كانت تتساوى مع ذكره لمصر مشفوعا برغبته في العودة إلى الوطن.

نازك الملائكة
مشرف مادة اللغة العربية وآدابها
مشرف مادة اللغة العربية وآدابها

عدد المساهمات : 353
تاريخ التسجيل : 18/02/2012
العمر : 24

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى