توظيف الأسطورة في النص الشعري العربي المعاصر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

توظيف الأسطورة في النص الشعري العربي المعاصر

مُساهمة  نازك الملائكة في الثلاثاء مارس 06, 2012 12:01 pm

توظيف الأسطورة في النص الشعري العربي المعاصر مسألة في غاية الأهمية، فما من شاعر عربي معاصر معروف إلا و استخدم الأسطورة في أعماله، و هناك حالات استثنائية و طفيفة لا يقاس عليها . إن الأسطورة تشكل نظاما خاصا في بنية الخطاب الشعري العربي المعاصر، و قد يبدو هذا النظام عصيا على الضبط و التحديد، و ذلك لضبابية الرؤية المراد طرحها في النص الشعري، و لكثافة الأسطورة نفسها غموضا و تداخلا مع حقول معرفية أخرى. فعندما نستحضر الأسطورة فإننا نستحضر التاريخ متداخلا مع الميثولوجيا و الخرافة، و الحكاية الشعبية، و هنا يصعب علينا معرفة أوجهها كاملة، و ذلك لتناصها مع هذه الحقول المعرفية الأخرى، فهل الأسطورة هي الخرافة أم هي التاريخ أم الفلكلور أم هي الحكاية الشعبية أم هي جزء مهم من اثنولوجيا وصفية، لاتزال بوصفها بنية معرفية عميقة، تتعلق بمعتقدات الشعوب و روحانياتها و تقاليدها، تفعل فعلها في حياتنا المعاصرة ؟. إنها مزيج من هذا و ذاك، و لذا فهي عصية على الضبط و التحديد. إنها رؤية متنامية متشعبة في بنية الزمان التاريخي، و المكان الأثنوجرافي، و تصبح الأسطورة أحيانا تاريخا و « كل أسطورة تروي تاريخا ». على حد تعبير كلود ليفي شتراوس [1]. و تصبح خرافة، و تداخلها مع الخرافة يزيدها تعمية و غموضا، و التاريخ نفسه يصبح لدى جيل من الأجيال أسطورة. فبغض النظر عن كون شخصيتي شهرزاد و شهريار من التاريخ أو الأسطورة، فإنهما يبقيان في بنيتهما العامة جزءا من السحر و الأسطورة و الخرافة و التاريخ و الميثولوجيا و الفكر و الفن في آن .

و تاريخيا كانت الأسطورة هي ملاذ الإنسان الأول، للانتصار على خيباته، و لتخطي فواجعه، و سياسيا كانت محاولة لخلق بديل جديد، أكثر إشراقا وجمالا، إنها النافذة التي يرى الإنسان العربي من خلالها النور و الفرح، لأنها تخلق له حالة توازن نفسي مع محيطه و مجتمعه، فبوساطتها تتم عملية الحلم و التخيل، و الاستذكار، فإذا كان الواقع فاسدا ظالما، و مرا، و الإنسان فيه غير قادر على تحقيق أبسط متطلباته، نتيجة لسلطة هذا الواقع المدمرة إنسانيا و أخلاقيا، فالحلم و الثورة هما الوسيلتان الوحيدتان لتخطي هذا الواقع، قد تتأخر الثورة، و قد تلغى، و قد تغيب، لكن الحلم دائما يحضر، و « يجن الانسان حينما يمنع من الحلم » على حد تعبير بودلير. إن الحلم هو الوجه الآخر للشعر كما يرى هربرت ريد [2] ، و « لو استطعنا أن نروي أحلامنا لأمكننا أن نروي شعرا متواصلا ». و بالرغم من التحليلات الاجتماعية التي تؤكد أن اللجوء إلى الفكر الأسطوري، هو هروب من مواجهة الواقع، و هو دعوة لسيادة الظلم، و دعوة إلى إلغاء العقل « فالفكر الأسطوري القائم على أساس غيبي لا عقلاني (…) له منطقه المختلف تماما عن منطق الفكر الموضوعي. و الأسطورة المكونة لهذا الفكر تنزع دائما إلى إضفاء صفات قدسية غامضة على مواضيعها و أشيائها و أشخاصها. ولا مشاحة أن الأسطورة لها، عمليا، مستلزمات غيبية تستند إليها في الواقع، و تنعكس بواسطتها على المجتمع و على السلوك السياسي، الطبقي فيه. فالوسائل المتولدة من جراء الأسطورة أو المولدة لبعضها، تتحول في المجتمع إلى أدوات إضافية للسيطرة ملكية طبقة محددة لوسائل الممارسة الأسطورية إذا جاز التعبير والافتراض» [3]، و هو تكريس للعبودية الاجتماعية التي تعتمد عليها السلطة السياسية ضمانا لاستمرار سلطتها، ف « الفكر الأسطوري إذ يقدم للإنسان مثالا عن إرادة القوة الغيبية، يضعه في نفس الوقت في وضع (العبد) المندهش، المرتعب من سلطان هذه القوة، التي يزعم المستبدون أنهم يمثلونها أو ينطقون باسمها » [4].

و بالرغم من هذه التحليلات، فإن الأسطورة من حيث كونها فكرا و فنا و تاريخا، تشكل خطابا يمكن أن يقال عنه إنه أدبي يتناص مع التاريخ و الميثولوجيا. و ما يجعل الأسطورة خطابا أدبيا، قدرتها على توسيع آفاق المخيلة عن طريق الحلم والتخيل، و ما الأدب في بنيته العميقة إلا نظام رمزي قادر على الإيحاء و التأويل، و من ثم كشف اللاإنساني و اللاأخلاقي في رؤية المجتمعات البشرية و نظام قيمها، وإدانته. و حتى لو آمنا بأنه كلما تراجع المجتمع حضاريا و ثقافيا، و بقي مغلفا بالغيبيات و الشعوذات و السحر، زادت أساطيره و خرافاته، فإن ذلك لا يعني التقليل من شأن الأسطورة، لأنها تبقى عنصرا بنائيا مكونا للفكر الإنساني. ينمو الفكر الإنساني و يتحرر، و يزداد عقلانية مع تطور المعارف و العلوم، لكن ذلك لا يمنع عنه حالة الحلم و التخيل. و الأسطورة في أهم خصائصها أنها رؤية حلمية تخيلية.

و ترافق الأسطورة الإنسان في حله و ترحاله باعتبارها رمزا مضيئا، و قد تتعدد مستويات هذا الرمز، لكنه يبقى على صلة قوية بصيرورة التاريخ، و تشكل طبقاته الاجتماعية، و حينما يسود الفكر الأسطوري قويا و فاعلا لدى أمة من الأمم، فإن ذلك يعني وجود سلطة بتعدد أوجهها تمنع شرائح مجتمعها من العيش بأمان و طمأنينة و سلام روحي، لكن الأسطورة تبقى في المجتمعات المتخلفة حلا جماليا لرفض حالات الاستلاب و الخيبة التي يمر بها إنسان هذه المجتمعات، المفجوع و المقهور في توجهاته و تطلعاته. أما في المجتمعات المتقدمة حضاريا و تكنولوجيا، المتراجعة على مستوى العلاقات الاجتماعية بشرطها الإنساني، فإنها « مرض من أمراض اللغة »، [5] و هي في آن مرض من أمراض لوثات العصر بتعقيداته، و ما تفرزه الحضارة المتقدمة صناعيا من استلاب و تشيؤ.

إننا إذ نستحضر الأسطورة في وقتنا الراهن، حيث الهزائم على كل المستويات، فإن نزعة (نوستالجية) تتأجج في أعماقنا نحو الماضي، و نحو المجهول، و نحو عوالم بكر لم تستكشف بعد. و تزداد هذه النزعة مع خيباتنا المتكررة في ظل أنظمتنا الاجتماعية الغاصة بالتعقيد و الفساد و الجهل.

إن عصر توليد الأساطير Mythopoec Age، قابل لأن يمتد حاضرا و مستقبلا. من منا لم يعجب بأسطورة جلجامش و أنكيدو و توقهما المطلق للدفاع عن قضايا الإنسانية ؟. و من منا لم يعجب بتصميم جلجامش على قطع غابات واسعة، و بحار طويلة للبحث عن النبتة المقدسة التي تعطيه هو و قومه في « أوروك » سر الخلود الأبدي، و التحول من طبقة البشر إلى طبقة الآلهة ؟. و كم كان محزنا حينما سرقت الأفعى النبتة المقدسة التي حصل عليها !. ومن منا لم يعجب بشجاعة جلجامش و أنكيدو حينما قتلا الثور السماوي الذي أرسلته الآلهة لقتل أنكيدو، بعد أن طلبت عشتار ذلك من الإله « آنو » ؟.

« لقد أمسكا بالثور السماوي و مزقا قلبه ..

و هنا اعتلت الربة عشتار سور أوروك ذات الأسوار

و صعدت على شرفات السور و صارت تطلق اللعنة منادية:

الويل لجلجامش الذي أهانني و قتل الثور السماوي

و سمع أنكيدو كلام عشتار هذا

فقطع فخذ الثور السماوي الأيمن و رماه في وجهها

و أنت سوف أصل إليك مثله (سيصيبك مني ما أصابه)

و أعلق أحشاءه إلى جنبك.

و جمعت الربة عشتار الكاهنات المنذورات

و الكاهنات الحبيبات و البغايا المقدسات

و نصبوا النواح على فخذ الثور السماوي الأيمن » [6]

نازك الملائكة
مشرف مادة اللغة العربية وآدابها
مشرف مادة اللغة العربية وآدابها

عدد المساهمات : 353
تاريخ التسجيل : 18/02/2012
العمر : 24

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: توظيف الأسطورة في النص الشعري العربي المعاصر

مُساهمة  نازك الملائكة في الثلاثاء مارس 06, 2012 12:03 pm

إن اللجوء إلى الأسطورة في الفكر العربي المعاصر هو استحضار للبطولة الغائبة، و حنين لها، و توق لزمن نظيف، و تاريخ غير ملوث بالطغاة و الظلمة. و عندما نستدعي البطل الأسطوري و التاريخي عبر زمن القصيدة و شفافيتها، فإن توقا شديدا يدفعنا لتقمص هذا البطل، و تمثل حالاته، باعتباره المفدي و المخلص و الشعلة التي تنير طريقا مظلما.

إن توليد الأسطورة و خلقها، و إعادة صياغتها عملية جمالية، تهدف إلى البحث عن عالم جميل و مضيء لم تقتله بعد ايديولوحيا السلطة: سلطة السلطة، سلطة الكلمة، و سلطة المجتمع، لكن العصر الذي ولدها و يولدها ليس عصرا مضيئا، فهي تخلق وتولد لتمنع زحف ظلامه و سوداوية ظلمته، على المستوى التخيلي و التأملي.

ما من شاعر عربي مبدع إلا و لاقى الظلم و المهانة، مما كسر شموخه الإنساني و شرده، فلجأ إلى الحلم و التخيل و استخدام الرموز الأسطورية و التاريخية المضيئة و الموحية.

و قبل أن يكون توظيف الأسطورة في النص الشعري العربي المعاصر عودة إلى التراث و الميثولوجيا، فإنه رؤية تستمد مكوناتها من الواقع، و اتجاهات هذا الواقع و رؤاه، فالتاريخ و الميثولوجيا و الواقع كلها مكونات للفكر الأسطوري، فالواقع العربي اليوم بتعقيده و غرائبيته، و سوداوية علاقاته و مؤسساته لهو أغرب من الأسطورة، إنه الخرافة عينها التي تفوق حد التخيل و الوصف. و ما من شاعر عربي مبدع إلا و عانى من اغتيال هذا الواقع لأحلامه و فرحه، و حرية قصيدته، فكان اللجوء إلى الأسطورة رفضا لهذا الواقع، و بالتالي كان استخدام الرمز الأسطوري المكثف الدلالة، البعيد الإيحاء، هربا و خوفا من سلطة هذا الواقع، لكي لا يثير الشاعر ظنون سلطة الرقابة وريبتها.

كان الشاعر العربي يرتحل و يحمل همه و هم قصيدته، ورموزه التاريخية و الأسطورية، و أنى حل كان ينشد الفرح و الحرية، عبر دلالات هذه الرموز، فخليل حاوي ذهب إلى لندن و كتب أجمل قصائده « السندباد في رحلته الثامنة »، و بدر شاكر السياب أخذ « أدونيسه » المضرج بدمائه، متنقلا من مشافي بيروت إلى لندن ثم الكويت. و عبد الوهاب البياتي حمل « حلاجه » عبر رحلاته من بغداد إلى بيروت إلى مدريد، و عبد العزيز المقالح أنارت له رموز بلاده: سيف بن ذي يزن، وضاح اليمن، بلقيس، منية النفوس، طريفة، عاقصة، عيروض [7]. لياليه المظلمة عندما كان غريبا و طالب دكتوراه خارج بلاده.

إن تواتر الأسطورة و تناقلها عبر مثاقفة حضارية نامية بين الأمم و الحضارات قديما و حديثا، لدليل حي على قدرتها على النفاذ إلى أعماق الرؤية المعاصرة، باعتبار هذه الرؤية نسقا عصيا على التحديد الزماني و المكاني، إنها ممتدة من الماضي إلى الحاضر. إن بنية الخطاب الشعري العربي المعاصر لا تعني الانقطاع عن التراث، فقد أثر التراث في تشكيل هذه البنية، و لا يزال يؤثر بدرجات متفاوتة، من شاعر إلى آخر و « قد شغل التراث الإسلامي والعربي مساحة واسعة من التاريخ الإنساني، واستطاع الدارس بعامة و الشاعر الحديث بخاصة أن يجد فيه أمداء رحبة و مواد قيمة يستطيع أن يتعامل معها، و يغني بها فنه. و من هذه المعطيات ما يتمثل في الموروثات الأسطورية و الخرافية التي انتهت إلى حياة العرب في الجاهلية، فتداولوها و تناقلوا أحداثها مثل وادي عبقر و الغول و العنقاء (…) و من ذلك أيضا الأمثال و التراث الشعبي الذي يمثل ثروة غنية بالشخصيات الأسطورية و التاريخية » [8]

و بالرغم من رؤية بعض الشعراء و الباحثين على مستوى التنظير بأن اللجوء إلى التراث ليس فعلا إبداعيا، و أن التراث ليس نبعا ولا مركزا، فإن ذلك لم يمنعهم من الرجوع إلى التراث بشتى توجهاته، بل كانت أجمل قصائدهم و أكثرها شفافية و عمقا إنسانيا، هي التي نهلت من هذا التراث و وظفته يقول أدونيس [9] « ليس التراث مركزا لنا. ليس نبعا و ليس دائرة تحيط بنا. حضورنا الإنساني هو المركز و النبع، و ما سواه و التراث من ضمنه يدور حوله. كيف يريدوننا إذن أن نخضع لما حولنا ؟ لن نخضع. سنظل في تواز معه، سنظل في محاذاته و قبالته. و حين نكتب شعرا سنكون أمناء له قبل أن نكون أمناء لتراثنا. إن الشعر أمام التراث لا وراءه. فليخضع تراثنا لشعرنا نحن. لتجربتنا نحن. لا يهمنا في الدرجة الأولى تراثنا بل وجودنا الشعري في هذه اللحظة من التاريخ، و سنظل أمناء لهذا الوجود. من هنا الفرق الحاسم بيننا و بين الإرثيين: لا يقدم نتاجهم إلا صورة الصورة. أما نحن فنخلق صورة جديدة».

إن العودة إلى التراث لا تعني هيمنة الرؤية التراثية على الرؤية المعاصرة. و لقد استطاع الشاعر العربي المعاصر أن ينطلق من البنية التراثية نفسها، ليبدع بديلا منها، و يتجاوزها، و صارت الحكاية الأسطورية و الخرافية عند الأدباء المعاصرين « ترد إلى عناصرها و كثيرا ما تضاف إليها عناصر جديدة تتواصل مع العناصر التقليدية، ثم يعاد تركيبها جميعا في شكل يشع ضوءا جديدا على الحكاية نفسها، فإذا هي قد تحولت إلى شكل جديد و مغزى جديد، نابعين من الرؤية الفنية و الفكرية للكاتب، تلك الرؤية التي تعتمد على ثقافته و على قدرته على تحليل مجتمعه و الكشف عما في هذا المجتمع من مشاكل إنسانية أو سياسية أو اجتماعية » [10].

صار التراث الأسطوري في القصيدة العربية المعاصرة جزءا من رؤية جمالية، بعد أن تعامل معه الشعراء المعاصرون وفقا لمنظور إنساني و حضاري، إذ إن كثيرا من الرموز التراثية قادرة على الاستمرار في نسق الواقع المعاصر، و بالتالي التحريض على تغييره بفعل إضاءتها التاريخية و دلالة هذه الإضاءة على المستوى الإنساني و الاجتماعي و السياسي. و مع ذلك فالشعر العربي المعاصر ليس وليدا للرؤية التراثية، و لا يمكن أن يكون ذلك بالرغم من الاستفادة من مكونات هذه الرؤية، لأن له شرطه التاريخي و الحضاري، و امتداد هذا الشرط داخل بنية الحياة المعاصرة، بتشعبها و تناميها، و انتصاراتها و فواجعها في آن.

الرؤية التراثية خيط شفيف يربطنا بالتاريخي و الأسطوري و المعاصر و العقلاني، قد ينقطع الخيط، و قد يمتد، و لا يعني انقطاعه فشلا أو قصورا في الرؤية العربية المعاصرة. الرؤية التراثية إضاءة لزمن القصيدة، لكنها ليست ملزمة، إنها رؤية تستنفر بعدا جماليا، لكننا نستطيع تشكيل بديل منها، إنها الرؤية للعالم بتحديد لوسيان غولدمان لمفهوم رؤية العالم، و بامتداد هذه الرؤية ماضيا و حاضرا و مستقبلا، و بقدرة هذه الرؤية على التعامل مع مكونات الفكر الإنساني الثقافي و مع مكونات الأجناس الأدبية كافة. إن مهمة الرؤية الحديثة إحداث خلل في الأنظمة القوالبية الموروثة، في الشكل الشعري، في القافية و الوزن، و بالتالي في المضمون نفسه، و لها دورها في تشكيل زمن جديد خصب و متنام، من أهم ميزاته أنه لا يخضع للتحقيب التاريخي، و التأطير الزمني، باعتباره زمنا منفتحا على جميع أشكال التطور الاقتصادي و الثقافي و الاجتماعي، و على الزوايا المضيئة في كل العصور.

لقد أدخلت الرؤية الحديثة في الشعر على مقولتي « الإبداع لأجل الإبداع »، و « الفن لأجل الفن » مفاهيم جديدة، فالإبداع و جمالية الفن مضافا إليهما حركية التغيير والهدم، تأسيسا للبناء الجديد. و لا قيمة للترف الشكلي و الزخرفي و الإغراق في الحلم، و الهذيانات السريالية، التي طغت على بعض النصوص الشعرية المعاصرة، إلا إذا كان الهدف من ذلك تأسيس رؤية إنسانية قادرة على تعرية زمن الطغيان، طغيان اللغة، و طغيان سلطة معرفية بعينها، « و قد ساعد فتح الأبواب أمام الإبداع الشعري الجديد على وجود هذه التيارات و تعددها داخل حركة الشعر الجديد، ونشأ عن ذلك اجتهادات و تيارات منحرفة لا تنشر سوى هذيان لا علاقة له بالشعر أو بالفن و لا علاقة له بالتجديد أو الابتكار، و خطر هذه التيارات المنحرفة أنها تدفع الجديد نحو اللا مبالاة اللغوية و نحو اللا مبالاة العقلية » [11]. . و لم يكن طغيان الهذيان في الخطاب الشعري العربي المعاصر، إلا تعبيرا عن فشل إنساني عام، مستمد بالدرجة الأولى من بنيات المجتمع القاتمة، و تراجعه و هزائمه. و بغض النظر عن كون الهذيان ظاهرة مرضية في الشعر العربي المعاصر، إلا أنه يستمد كثيرا من مكوناته، من بنية الأسطورة و الخرافة و الأحلام، و التفكير الميثولوجي، لأن الهذيانات الشعرية كثيرا ما ترتبط بامتداد الأسطورة معرفيا و زمنيا، و حينما يتداخل الهذيان مع الحلم و الأسطورة، و الإيحاءات السريالية، تنشأ ظاهرتان شعريتان هما الغموض و الإبهام. فالتداخل العشوائي اللا منظم، المضطرب، و المتوتر يخلق حالة من الإبهام، التي يستحيل فك طلاسمها، و اكتشاف ما وراء ضبابية هذه الطلاسم. أما التداخل الجمالي الرؤيوي، فإنه يشكل حالة شفيفة من الغموض الموحي و المرمز. و الغموض هو مظهر من مظاهر الحداثة في الحركة الشعرية العربية المعاصرة. « و الحقيقة أن لغة الشعر بالفعل غامضة، لكن غموضها لا يرجع إلى عدم قابليتها للفهم، أو خلوها من المعنى، و إنما هو العكس، فلغة الشعر غامضة لأنها مشحونة بالمعاني، المعنى الشعري معان بعضها فوق بعض كطبقات الأرض، منها ما هو ظاهر مكشوف، و منها ما هو باطن يحتاج إلى الكشف و التعمق حتى تصل إليه بقراءة تلو أخرى و بأدوات كثيرة و بديهة يقظة و قلب حي » [12]و عموما ترتبط حالات الإبهام و الغموض بالذاتي و الموضوعي في حياة الشاعر داخل حقله الثقافي و المعرفي و وسطه الاجتماعي و الإنساني.

و يشكل الحلم بالنسبة لكثير من المبدعين مفتاحا للرؤية الشعرية، إنه أساس الفعل الشعري و جوهر العملية الإبداعية بالنسبة لهم، و هنا يشترك الحلم مع الأسطورة في كونهما عملية تخيلية تتخطى حدود الواقع الممكن، إلى أفق أكثر رحابة في بنية الفضاء المكاني و الزماني. يقول الشاعر أنسي الحاج [13] : « خلافا للأكثرية، أنا أؤمن بالحلم، من لا يحلم لا يفعل، الحلم يسبق الفعل، كما يسبق الغيم المطر … الحلم جوهر غير أنه وجود … و الحلم هو العقل و الروح و الخيال. إنه الفردوس الممكن … الحلم أولا، الحلم فوق الجميع، الحلم الذي هو محرض الواقع و روحه و عقله و عصبه، الحلم الذي هو المستقبل، الحلم الذي هو النبي و الشاعر.».

إن التداخل الجمالي آنف الذكر يفرز بدوره تجريبا شعريا، تبدو أهميته في إبداع المتميز، المتنامي و المغاير، من خلال استخدامه للتراث الأسطوري، و استحضار البنيات الجمالية الأسطورية الغائبة عن واقعنا المعاصر، و ما « من شاعر عظيم أو روائي عظيم إلا و قد أضاف من خلال التجريب بعدا جديدا إلى الفن الشعري و الروائي، و أثبت أنه غير خاضع و غير مستسلم لكل المواصفات السائدة و المألوفة. التجريب إذن و محاولة الإضافة نزعة صحية و ضرورية في كل فنان أصيل و في كل كاتب موهوب و في كل شاعر يريد أن يضيف إلى التراث و لا يكرره أو يقلده » [14].

إن استخدام الأسطورة و الرمز و التاريخ في الخطاب الشعري العربي المعاصر نوع من التجريب الجمالي، قبل أن يكون عودة إلى التراث، و التأكيد على حضوره. و هذا التجريب الجمالي في بنيته العميقة ينبغي أن يؤكد مكانة الإنسان، و دوره الحضاري، و يستحضر أعمق مشاعره الإنسانية و أدقها. ف « الأشكال الفنية ليست أشكالا فارغة، و إنما تقوم بوظيفة خاصة في تنمية خبرة الإنسان، و في تنظيم هذه الخبرة، كما تؤدي دورا أساسيا في بناء عالم الإنسان، و في تحقيق ما يصبو إليه الإنسان من معنى لحياته ولعالمه » [15]، و كل تجريب خلاق مبدع ينبغي أن يكون إنسانيا، و لا قيمة لتجريب على مستوى الشكل الشعري و مضمونه، إذا اقتصر على الظاهرة الشكلية و السطحية، التجريب على مستوى بنية الشكل الجمالي، و إضافة الظواهر الجمالية و المغايرة إلى هذا الشكل أمر ضروري، لكنه ليس كافيا لتحقيق طرفي العملية الإبداعية، فالعملية الإبداعية فكر و فن و نزعة إنسانية و أخلاقية، و هي تحمل مزيدا من الرفض تمهيدا للهدم والمغايرة، لتأسيس أدب إنساني يرفع الإنسان راية و هدفا، و « إذا أراد الأدب العربي أن يدخل مجال العالمية فعليه (…) أن يشغل نفسه بكتابة أدب إنساني صادق مرتبط بهموم الإنسان في هذا الوطن، و ما يحيط به و ما تقع عليه عيناه من مظاهر الألم و الأمل » [16].


أمل دنقل أمل دنقل و تكتنز الأسطورة في بنيتها العميقة دلالات إنسانية و حضارية، استطاع الخطاب الشعري العربي المعاصر أن يكشف هذه الدلالات، بأعمق حالاتها الإنسانية و الوجدانية، و يشير بها إلى حالات إنسانية معاصرة، ف « الأسطورة ليست إلا تراثا بشريا يحمل تفسيرا خاصا لمعنى أو شعور بالذات عند شعب من الشعوب. و الأساطير تحمل بلا شك دلالات إنسانية لم تفقد قيمتها خلال التطور الحضاري. و لقد حاول الأدباء و الفنانون علاج الكثير من هذه الأساطير، و ذلك لتوضيح دلالتها أو تحميلها دلالات وتفسيرات جديدة تتفق مع روح العصر» [17].

الغاية من استخدام الأسطورة في الخطاب الشعري
من أهم سمات القصيدة العربية المعاصرة منذ بداية تشكلاتها الأولى، و انعطافها عن الشكل الشعري التقليدي الاعتماد المكثف على الرموز الأسطورية و التاريخية أنى اكتشفها الشاعر، و لذا فقد كانت أولى اهتمامات الشاعر المعاصر « خلق رموز أسطورية، سواء مستحدثة يلتقطها من الواقع، أو تاريخية يستمدها من التاريخ الثقافي. و العمل على جعل تلك الرموز تستقطب جميع مفاصل النص الشعري و حركاته و تصهرها في قالب وحدة متناغمة » [18].

و يعد توظيف الأسطورة في القصيدة المعاصرة رؤية ثقافية و فنية، تتكىء بدورها على مرجعيات ثقافية أخرى تاريخية و أسطورية. أي أنها ليست رؤية فردية، إنها في المحصلة وعي جمعي، يتشكل جماليا و فكريا لينهل من مرجعيات ثقافية متعددة المصادر و الأبعاد. إن « الشعر بناء لغوي يستمد ركائزه من أبنية الثقافة التي ينتمي إليها الشاعر، لكنه لا يخضع لها، بل يشكل بناء موازيا و معادلا لهذه الأبنية يعكس آليات إنتاج المعرفة لا لتثبيتها و إنما لكشف تناقضاتها» [19].

إن الوعي الفردي للشاعر بالقصيدة ليس آنيا، بتعبير آخر إن له مكونات تنهل من ثقافات فكرية متعددة، قد تكون قريبة الجذور و بعيدتها في آن. و من الصعب أن تدرس البنية الشعرية للخطاب الشعري المعاصر بعيدا عن مكونات هذه البنية، و هنا لا أدعو إلى أن يكون الشعر إسقاطا لمرحلة زمنية بعينها، و لحدث تاريخي بعينه، إن الشعر « يقدم بناء فنيا للمكان الزماني يعتمد على التشكيل المركب، الذي يتم وفق تفاعلاته الخاصة، و يؤدي إلى الخروج من دائرة الزمن المغلقة إلى نهايات مفتوحة تدفع الحركة مع القصيدة كي تتنامى و تستمر و تنتقل من مرحلة إلى مرحلة تالية. و يتم هذا البناء بواسطة اللغة التي يعمل الشعراء على تخصيبها و بث حركية الإبداع في تراكيبها و من ثم تأكيد دور اللغة في تشكيل أبنية الوعي في الثقافة العربية المعاصرة الآن و في زمن يأتي » [20].

نازك الملائكة
مشرف مادة اللغة العربية وآدابها
مشرف مادة اللغة العربية وآدابها

عدد المساهمات : 353
تاريخ التسجيل : 18/02/2012
العمر : 24

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

شكرا تلميذتي

مُساهمة  سيف أديب في الثلاثاء مارس 06, 2012 3:36 pm

فعلا هناك صعوبة في كيفية توظيف الأسطورة .........
لكن الأهم هو أن الأسطورة أو المز يجنح إليه الشاعر من أجل تكثيف وتكاثف الحالة الشعورية .......
واخيرا شكرا على هذا الجهد المتميز

سيف أديب
مشرف متميز
مشرف متميز

عدد المساهمات : 198
تاريخ التسجيل : 31/08/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى