إنه ...نجيب محفوظ

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

إنه ...نجيب محفوظ

مُساهمة  سيف أديب في الإثنين فبراير 20, 2012 10:31 pm

ليس نجيب محفوظ كاتباً طارئاً على فن الرواية والقص كي نتمكن من الإيفاء بحقه بهذه العجالة، إنما غايتنا هنا هي إلقاء تحية الوداع لهذا الطود الشامخ والبناء الماهر الذي عمل في إعلاء شأن ومعمارية الرواية العربية حتى وصل بها إلى الآفاق. واذا تسنى لنا استعمال صيغ المفاضلة فهو أول من رسخ الرواية العربية ليجعل منها جنساً أدبياً رفيع المستوى بدأ على يدي هذا المبدع يعمل بكل جدية على منافسة الفن العربي الأصيل الذي تربع على عرش الأدب العربي طوال التاريخ العربي ألا وهو فن الشعر.
فبالاختلاف عن الكتاب الذين قبله من مثل محمد حسين هيكل وطه حسين والذين جايلوه من مثل إحسان عبدالقدوس وثروة أباظة ومحمد عبدالحليم عبدالله ومحمد جودة السحار وكثيرون غيرهم وحتى قسم ممن أتوا بعده، تجاوز نجيب محفوظ الأساليب المعتادة في السرد القصصي الذي يعتمد البنية التقليدية للحكاية واللغة الإنشائية ذات الحشو الاسترسالي إلى بنية حداثوية محبوكة وذات لغة راقية تشد القارئ إليها ببيانها وبلاغتها وسهولة وصولها إلى مقصدها في الوقت ذاته. مجرباً من خلال ذلك رحابة عبقرية في تمثل المدارس الفنية العالمية في كتابة الرواية وتطويع هذه المدارس إلى أسلوبه الفذ في صياغة روايات وصفت بعضها بالرمزية والواقعية والخيالية والتاريخية والنفسية لكنها كانت تمتاح من بئر واحد هو عبقرية نجيب محفوظ. ولذلك ليس من الغريب أن يوصف بأنه أبو الرواية العربية. وإذا سرنا أيضاً في استعمال صيغة المفاضلة لتقييم أدب هذا الكاتب المتفرد فيمكن القول أنه أغزر كاتب عربي على الإطلاق. إذ لم يجاريه كاتب عربي آخر في غزارة الإنتاج. بيد أن هذه الغزارة كانت نوعية أيضا. وهذه ميزة فريدة لمحفوظ. فبقدر ما اهتم بالتفصيلات الصغيرة وأطنب في البحث كان يغور في الأعماق الإنسانية متجاوزاً المستوى السطحي الذي كثيراً ما انشغل به روائيون آخرون. ومكنته قدرته الكبيرة على التقصي والبحث والغزارة فضلاً عن سبر الأغوار إلى أن يتمكن من معالجة عريضة وطويلة لهموم مجتمعه المصري وخصوصاً تلك الطبقات الدنيا و الوسطى التي عاش حياتها عن قرب وعبر عنها وعكس طموحاتها وفلسفاتها وإحباطاتها، قوتها وضعفها ليوفر بذلك للفكر الاجتماعي ميداناً خصباً للدراسة والبحث والتقييم. ثم أنه أكثر الروائيين العرب والمصريين إلتصاقاً بالتاريخ السياسي والاجتماعي. إن وعيه السياسي الحاد لطبيعة الصراعات السياسية والاجتماعية وتوفره على قراءة الفلسفة عن كثب، كل ذلك منحه الإمكانية لوضع يده على مفاصل تاريخية تمثل الانعطافات المهمة والمحركة لتاريخ مصر الحديث تحديداً. على أننا لابد أن نقول أن نجيب محفوظ لم يكن مسجلاً سلبياً للتاريخ، بل بالإضافة إلى رؤيته التحليلية الموضوعية والناقدة في أغلب الأحيان كان قد ركز على النماذج الاجتماعية ذات التأثير الحيوي في الحياة اليومية الشعبية والتي لها القول الفصل في الاستجابة أو الرفض للقرار السياسي. أما على المستوى الأسطوري والرمزي فيشكل محفوظ أكبر إشكالية محيرة للنقد العربي من خلال أعماله الكبيرة كالثلاثية وأولاد حارتنا على سبيل المثال لا الحصر. وتنبع هذه الاشكالية من كون أن نجيب محفوظ يعمل بذكاء شديد على صياغة روايته لتكون حمالة أوجه كما يقال. أي أنها مفتوحة لقراءات عدة. فمن الممكن قراءتها على أنها رواية واقعية يمكن أن تحدث في حياتنا اليومية ومن الممكن تأويل هذه الرواية ذاتها أسطورياً ورمزياً فتكون دلالاتها مختلفة بالتأكيد. وبهذه الحال يؤكد لنا محفوظ احترامه لذهنية قارئه وحثه لهذه الذهنية للتعمق في التفكير والتأويل لاستخراج المعاني العميقة، فيتحقق بذلك فعل الاستمتاع العقلي للقارئ في أرقى صوره وفي الوقت نفسه تصل رسالة الكاتب إلى قارئه كما أراد. إنه، بعد هذا وذاك أكثر كاتب عربي يتكالب على قراءة أعماله القراء، وهو أثرى الكتاب العرب كتابة للسينما، وهو أكثرهم إخلاصاً لفنه الروائي وأكثرهم انضباطاً ودقة في المواعيد.....إنه ...وإنه .. نجيب وحفوظ

سيف أديب
مشرف متميز
مشرف متميز

عدد المساهمات : 198
تاريخ التسجيل : 31/08/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى