ابتسامة أم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ابتسامة أم

مُساهمة  سيف أديب في الإثنين فبراير 20, 2012 10:01 pm

ابتسمت لأول مرة منذ مدة طويلة .. تحركت شفتاها بانفراجة بسيطة تنم عن الأبتسام .. اثارت تلك الفرجة البسيطة بهجة وفرحا في أرجاء البيت .. هلل الكل لتلك الأبتسامة ، انتشر الخبر في كل مكان ، تسلل الى كل بيوت المخيم .. توافد المهنئون من كل حدب وصوب مباركين مستبشرين بشفاء ام زهير من مرضها العضال




أم زهير أمرأة بسيطة عاشت حياتها قنوعة راضية لاتعرف التذمر أو الشكوى تقبل بما يرزقها الله منذ كان زوجها حيا ، يكدح لتوفير أسباب الحياة لأسرته البسيطة المكونة من زوجته وولديه زهير وزاهر .. صبرها وجلدها ونزولها الى العمل بعد وفاة زوجها أثار الأعجاب وكسبت أحترام جميع الأقارب والجيران .. عملت على تربية ولديها الصغيرين وتنشأتهما نشأة كريمة .. رفضت الزواج وحاربت بقوة تيار الخطاب ورغبة الأهل نسيت جمالها وأنوثتها ، لبست ثوب الرجال ، مارست شتى الأعمال الشريفة الشاقة والخفيفة ، في حقول الخضار وبساتين البرتقال .. باعت واشترت في الأسواق خدمت في البيوت ... لاقت العون في كل مكان تذهب اليه حتى عرفت بأخلاقها وعفتها وعزة نفسها .. وصلت بأبنائها اعلى مستويات التعليم ..ألقت العناء عن كاهلها بعد تخرج زهير طبيباً ، وقفت الى جانبه في عيادته الخاصة تشد أزره وتكبح جموح الجشع المادي في نفسه ..اشتهر زهير كطبيب انساني بين الناس ، لايطمع في المادة بقدر ما يقدم العلاج والمساعدة لكل محتاج ، ورفع معاناة الألم عن الفقراء بلا مقابل .. زاهر مايزال يدرس الهندسة .
عاد معظم الطلبة لقضاء الأجازة الصيفية مع ذويهم ماعدا زاهر ، قلقت والدته .. دارت على زملائه الطلبة تسأل عنه .. تكتم الجميع الخبر .. ادعى البعض بأنهم لم يروه ، والبعض الآخر قال مازال لديه دراسة في الجامعة.
زاهر يدرس في السنة النهائية في كلية الهندسة .. فقال البعض لن يحضر حتى يتأكد من نجاحه والحصول على الشهادة ... الحقيقة أن زاهر قبض عليه جنود الأحتلال واقتادوه الى السجن أمام أعين الجميع بعد أن أشبعوه ضربا وكالوه بشتى انواع الشتائم البذيئة .
بعد مرور ثلآثة أيام على وصول قافلة الصليب الأحمر التي تقل الطلبة من جمهورية مصر العربية .. دخل الليل هزعه الأخير، وأم زهير تتقلب في فراشها وكأن به جمر .. جافا جفناها النوم بعد تأخر زاهر عن الحضور .. القلق يعصر قلبها والأفكار بشتى أنواعها تلعب برأسها .. طرق شديد بالباب .. كسر الباب .. اندفع جنود الأحتلال شاهرين أسلحتهم الى غرفة النوم .. وقفت أم زهير تصرخ في وجوههم وتقف بينهم وبين ولدها زهير ..
ماذا تريدون ، الله ينتقم منكم ، ماذا فعل ولدي .. دفعها الجنود بقوة فسقطت على الأرض .. جذبوا زهير بعنف وقوة على الأرض وشدوا يديه وراء ظهره بوثاق دفعوه أمامهم بوحشية وخرجوا .
جالت أم زهير مراكز شرطة الأحتلال بحثا عن ولدها ، تنقلت بين الغرف والأقبية والدهاليز .. سألت كل من صادفها ، جندي .. ضابط .. موظف مدني .. لم تجد الا جوابا واحدا لاأعلم ... ذهبت الى مكتب الحاكم العسكري وزجرت بعنف وأهينت عدة مرات قبل أن يسمح لها بمقابلته وقفت أمام الحاكم العسكري الصهيوني مشدوه منهكة ..وهويبتسم بسخرية ويقول: ماذا تريدين .. تسألين عن ولدك ؟ لماذا لم تربيه جيدا ؟ .. أنه بساعد المخربين ويعمل معهم .. ذهلت وهي تسمع هذه الكلما ت .. اسودت الدنيا امام عينيها وشعرت بأن الغرفة تلف بها ورأت الحاكم العسكري حشد من الجنود اتكئت بظهرها الى الحائط حتى لاتسقط تماسكت بقدر مابقي لها من قوة
وتمتمت لن أرى ولدي ، ربما لن أراه أبدا .. واحتارت ماذا تفعل ، كيف تتصرف .. جرجرت قدماها وهمت بالخروج قبل أن يتهادى الى سمعها صوت الضابط الصهيوني .. اذا أردت أن تري ولديك ، أخبرينا عن زملاءهما والمكان الذي يخبئون فيه السلاح ..زاغت عيناها دارت بها الدنيا أمسكت بالباب .. تماسكت أعصابها كعادتها .. كتمت صرخة .. بالكاد تلفظت .. قلت ولداي .. أذن زاهر عندكم أيضا .. ابتسم الضابط ابتسامة صفراء خبيثة وهو يرى صرح أم زهير ينهار ويتداعى أمام عينيه .. شعر بالسعادة تغمر قلبه ، وقال :نعم زاهر محجوز لدينا ، الا تعلمين ذلك .. قهقه بصوت عالي ، ثم عاد الى طبيعتة الهمجية .. عبس وجهه وكشر عن أنيابه وعربد قائلا : لن ترينهما ابدا الا اذا أخبرتنا بمكان السلاح .. تذكري جيدا مكان السلاح ومن يتعاون معهما.
ترددت أم زهير كثيرا على ذلك الضابط الصهيوني الشاب الفظ وفي كل مرة يستقبلها بقلبه الحاقد ولسانه السليط ويردد عليها نفس العبارات ..كثرة ترددها وشدة الحاحها جعلها تحفظ جيدا أسم الضابط ووجهه .
أعيا التعب أم زهبر ، سقطت صريعة المرض حزنا وأسى وحسرة على ولديها .. قام الجيران على خدمتها لمدة عامين كاملين .. خرج ولدها زهير من السجن شبه عاجز نتيجة التعذيب الجسدي .. شلل أصاب يده اليسرى ورجله اليمنى .. تحامل على نفسه .. جمع أشلاء قواه ، مارس عمله كطبيب .. يساعد المحتاج قدر ما يستطع .. والدته ما تزال مشلولة لايتحرك منها سوى عينيها داخل مقلتيها .. تسمع وترى فقط .. تفهم وتحاول الحديث دون جدوى .. عرضها على كافة الأطباء والأخصائيين .. النتيجة واحدة .. لاأمل في الشفاء .. عيونها يوميا تستفسر عن ولدها زاهر ، وزهير يكتم عنها أستشهاده تحت تأثير التعذيب ..زهير يقرأ على والدته الصحف المتوفرة يوميا .. أخبار السياسة .. أخبار العمليات العسكرية .. أخبار الأسرى في السجون الصهيونية .. أم زهير تسمع وتحرك رموش عينيها أشارة الى الفهم .
قرأ عليها أخبار الحجاج تألمت جدا للأحداث المؤسفة والشغب الذي حدث .. تدفقت الدموع من عينيها حزنا وألما لما حدث لضيوف الرحمن .. ابتسمت لأول مرة وهي تسمع مصرع الضابط الصهيوني الكبير قائد الشرطة وسط مدينة غزة على أثر عملية فدائية أنه نفس الضابط الذي قابلته على أنه الحاكم العسكري .. نفس الضابط انها تحفظ أسمه جيدا .. ابتسمت لأول مرة .. تحركت أحدى يديها .. قال الأطبااء والأخصائيين أنها معجزة رب العالمين .. ستشفى .. ستشفى .. أنه أعجاز وهتف أحد الأطباء .. الله أكبر ... الله أكبر.

سيف أديب
مشرف متميز
مشرف متميز

عدد المساهمات : 198
تاريخ التسجيل : 31/08/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ابتسامة أم

مُساهمة  نازك الملائكة في الإثنين ديسمبر 24, 2012 6:20 pm

ما شاء الله
شكرا على هذا الموضوع المتميز

_________________
باشتياقٍ إليكَ يا الله ..
جئتكَ روحاً بلا حياة .. تحملني خُطىً أثقلتها الذنوب ..
و ألهثُ بأنفاسٍ هدَّها فرطُ الأنين
..
عثراتُ أيامِي تلاحقني .. وتحكمُ عليَّ أسوارَ اليأسِ .. فَلا أفيق ..!
وعتمةُ الهوَى حجَبتْ عنِّي أنوارَ الرحمـَـاتِ .. فتهتُ الطريق ..!
كم كانَ ليلي موجعاً ..
رغمَ صرخاتِ العتاب التي تقتلني كلَّ حين ..
رغمَ الحنين ..
رغمَ كل شيَء ..!
بحثتُ عن عمري على امتدادِ أيامي بعدَ بعثرة السِّنين ..
و لملمتُ الشتاتَ منيباً .. لأقف ببابك يا ملاذي ..
بقلم العضوة نازك الملائكة

نازك الملائكة
مشرف مادة اللغة العربية وآدابها
مشرف مادة اللغة العربية وآدابها

عدد المساهمات : 353
تاريخ التسجيل : 18/02/2012
العمر : 24

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى