مي زيادة.. فنّانة صاغها الألم وفجّرت عطاءها الكآبة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

مي زيادة.. فنّانة صاغها الألم وفجّرت عطاءها الكآبة

مُساهمة  سيف أديب في الإثنين فبراير 20, 2012 10:00 pm

تحتفل الأوساط الأدبيّة بمرور مئة وخمسة وعشرين عاما على ميلاد الأديبة الكبيرة مي زيادة.. ومي زيادة كما هو معروف لنا جميعا ولدت في الناصرة عام "1886" لأب لبناني هو "الياس زخور" من قرية "شحتول" قضاء كسروان، ولأم نصراوية هي "نزهة معمر".
قضت مي في النّاصرة ثلاث عشرة سنة، وما إن أطلّ عام 1900 حتى تركتها طلبا للعلم في مدرسة "عينطورة" في لبنان، حيث أقامت هناك مدّة خمس سنوات.. أنهت مي دراستها في الثّامنة عشرة من عمرها وعادت إلى الناصرة عام 1904.
في النّاصرة سيطر عليها الفراغ فأغرت والديها بالرّحيل إلى مصر حيث تتوفّر هناك الإمكانيّات المفتوحة. استجاب الوالدان لرغبتها وهاجر ثلاثتهم إلى مصر ولاقى الوالد هناك نجاحا إذ عمل محرّرا في صحيفة المحروسة التي أصبحت فيما بعد ملكا له. وفي مصر وجدت مي ضالتها، فعكفت على القراءة والمطالعة والدّرس والكتابة في الصّحف، إلى أن صدر ديوانها "أزاهير" حلم عام 1911، فلمع اسمها في سماء الأدب واشتهرت، وبدأ المفكّرون والأدباء يتقرّبون من الأديبة النّاشئة ويتبادلون معها الودّ والإعجاب.
بعد أن اشتهرت مي وأصبح اسمها معروفا فتحت بيتها لاستقبال المفكّرين والأدباء، فكان لصالونها الأدبي شهرة كبيرة إذ أنه أصبح منتدى يؤمّه معظم روّاد الحركة الأدبيّة والثّقافيّة والفكريّة والإجتماعيّة في مصر، حيث هناك كانوا يتلاقون لتبادل الآراء والنّقاش في أكثر المسائل إلحاحا في ضمير العصر. وكانت مي الشّابة اللاّمعة اللّبقة المثقفّة المفكّرة الّتي تدير تلك النّدوات بمهارة محطّ إعجاب الجميع كمصطفى الرافعي، وطه حسين، وأنطوان الجميّل، وإسماعيل صبري، وسلامة موسى وغيرهم.. وهكذا لعب صالون مي الأدبي دورا مهمّا في الحياة الأدبيّة والفكريّة في بداية العصر.
وتتعرّف مي بواسطة المراسلة وبمبادرتها على الأديب جبران خليل جبران فيقع كلاهما في حب لم يثمر. وفي خضم شهرة مي تتعرّف على قادة الحركة النّسائيّة حينها كهدى شعراوي وملك حفني ناصف وغيرهما وذلك من خلال دراستها في الجامعة المصريّة، فتنخرط مي في هذه الدّعوة حتّى النّخاع، ولكن في أواخر العشرينيات ومطلع الثلاثينيات يموت والدها وتموت أمّها ومن ثمّ يموت جبران، فتكبس على مي أزمة نفسيّة حادّة أدّت إلى إصابة أعصابها. فتترك مي مصر لتتعالج في مشفى في لبنان هو "العصفوريّة" مشفى الأمراض العقليّة والعصبيّة، وتقضي هناك فترة من أصعب فترات حياتها، حيث وقفت على طمع أبناء عائلتها في ثروتها وعلى معاملتهم السّيّئة لها.
غادرت مي مشفاها بعد أن ثبت شفاؤها وعادت إلى مصر واستمرّت في مزاولة نشاطها ولكن في عام 1941 أصابها مرض فارقت على أثره الحياة وهي في قمّة عطائها.
بموت مي تنقضي حقبة زمنيّة مهمّة من الحقبات الفكريّة والأدبيّة في تاريخ حضارتنا الجديدة. وليس اهتمامنا بمي لكونها نصراويّة فقط، بل لأنّها ذات شخصيّة ثقافيّة متعدّدة الجوانب فقد كانت كاتبة وشاعرة وخطيبة ومترسّلة وناقدة اجتماعيّة وصحفيّة وصاحبة صالون أدبي.. أي أنّها كانت شخصيّة ذات أثر كبير في الحياة الثقافيّة المصريّة في النّصف الأوّل من هذا القرن، كما أنّها كانت أحد الأسماء البارزة في حركة التّجديد الاجتماعي والأدبي وعلما بارزا من أعلام النّهضة النّسائيّة التّحرريّة.
في هذا المقال سنحاول الوقوف على الجانب الأدبي فقط من جوانب نتاج مي زيادة المتعدّدة، لنرى أهمّيته وأثره على النّهضة الأدبيّة العربيّة الحديثة.
الألم زيت العبقريّة، والمعاناة فتيلها الملتهب، فحين يتعمّد الإنسان في جرن من الألم وحين يتمسّح بميرون المعاناة ويتسربل في سكونيّة الوحدة، وحين يتم كلّ ذلك، يتخاصم مع العالم ولا يتصالح معه أبدا إلاّ إذا أفرز حزنه وألمه قطعا فنيّة ليس مهمّا نوعها، عندها يعود فيتصالح مع العالم من جديد وترتدّ إليه حالته الطّبيعية، يبتسم ويضحك ويستقبل الدنيا هاشا باشا، وتكتنفه السّعادة، إلى أن تأتي السّاعة فتنعاد الكرّة مرّات ومرّات. "ومي زيادة لم تستطع أن توفّق في شيء قط، بين واقع الحياة وما تتطلّع إليه من هناءة، ولا تحلّلت قط من القيود والأغلال الّتي تنسجها العاطفة داخل الذّات مع الأيّام، فعاشت أيّامها مغلولة، قلقة، معذّبة، وسرت مرارة الواقع في بدء وعيها إلى كيانها فعطّلت بهجة الوجود في عينيها، وشوّهت صورة الحياة في نفسها، وراحت إزاء هذه الحالة تتخبّط ولا تحسن الخروج مّما ارتطمت به على كرّ الأيّام، ومرّ الأعوام، حتّى أصابها ضرب من الخبال.
ولأنّها كانت كذلك أصبحت فنّانة تتقن التّعامل بالأحرف فتأتيها الكلمات طائعة منقادة، فتزيل ما علق بها من شوائب، وتغربلها وتنتقي منها الطّيب والجميل وتضبطها في نغمات لا أحلى ولا أجمل، وتلفها بشريط من قطيفة حمراء دافئة ناعمة، وترشّها بماء الورد فإذا هي قصائد ومقالات، رسائل وخطب، أبحاث ومذكّرات، قصص وحكايات وهي في كلّ ما تكتب تحلّق بنا في مناخات أدبيّة وفكريّة نلامس فيها الأقمار، فيكون حب، ويكون دفء ويكون في النّهاية تطهير.
إذن مي زيادة فنّانة صاغها الألم والحزن وصقلتها المعاناة وفجّرت عطاءها الكآبة. فما هي العوامل الّتي أثّرت عليها كأديبة؟ وما هي أنواع هذا الأدب؟ سماته ومميّزاته؟
في الواقع عوامل عديدة تضافرت في تكوين شخصيّة مي الأديبة، ونحن إن أردنا تقصّي هذه العوامل علينا أوّلا أن نهتمّ في العصر الّذي فيه عاشت لأنّه ما من أديب يعيش في فراغ، إنّما هو نبت عصره، ينفعل بما فيه، يتأثّر ويؤثّر، أي هو ليس نبتا شيطانيّا منبتا عن عصره، مبتورا عنه فما هي إذن سمات هذا العصر الّذي عاشت فيه أديبتنا مي زيادة.
كانت لحياة مي في مصر أهميّة خاصّة، ففي مطلع القرن العشرين جاشت بمصر حركة وطنيّة فكريّة تدعو إلى نهضة على جميع الأصعدة، وذلك على أثر الصّيحة الّتي أطلقها قاسم أمين ولطفي السيّد وآخرون في حينه.
وقد شاع بمصر آنذاك اتّجاه عقلاني أوقع قطيعه مع الاتّجاهات السّابقة، دعا إلى الموضوعيّة فكان من ثمراته إنشاء الجامعة المصريّة في مطلع هذا القرن. كما عاشت مصر جوّا من الصّراع بين القديم والحديث خرج منه التيّار المتطوّر الصّاعد غالبا، فتغلغلت الأفكار الأوروبيّة واصطبغت الحركة الفكريّة والاجتماعيّة بدعوات التّجديد الّتي كان من مشجّعيها معظم من عاشرتهم مي في صالونها من الروّاد كلطفي السيّد وسلامة موسى، طه حسين، وأنطون الجميّل وآخرين.
وكان من الطّبيعي إذن أن ينتشر في مصر مناخ فكري جديد وتربة صالحة أفادت منهما مي كلّ الإفادة. فها هي تقول:"إلى أن انتهت الحرب الكبرى وقامت الحركة الوطنيّة المصريّة، هنا كانت يقظتي الأدبيّة الصّحيحة والخلق الجديد الّذي أمدّتني تلك الحركة بروحه .
أضف إلى ذلك ما كانت تكنّه مي زيادة للشّرق من حبّ وحماسة صادقة في تغييره مخلصة في ترقيته وإعلاء شأنه يقول أنيس المقدسي: "كانت مي تجمع في حبّها للشّرق بين حماسها لماضيه، وتبشيرها بأمجاده القديمة، وبين أسفها الشّديد لما تراه من تأخّره في مضمار العلم والحضارة. إنّها لم تكن عمياء عن عيوبه ونقائصه.. فقد رأته مغلولا بتقاليده القديمة، وشاهدت فيه تفاوت الطّبقات، وحزّ في نفسها ما كان يسوده من اختلال في الأحكام واستبداد الأقوياء بالضّعفاء. ولكنّها لم تيأس، ولم يتلاش إيمانها بما في الشّرق من قوى روحيّة كامنة، فكرّست قواها لإثارة هذه القوى، وأطلقت لسانها وقلمها منشدة له أناشيد العلى، ولم تر بأسا في مستقبل النّهضة المرتجاة من أن يقتبس أساليب العمران الحديثة، وأن ينتفع بما توصّل إليه الغرب من تطوّر في الحياة العلميّة والاجتماعيّة.


سيف أديب
مشرف متميز
مشرف متميز

عدد المساهمات : 198
تاريخ التسجيل : 31/08/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى