(بدر شاكر السياب) شاعر عصر التجديد الشعري / الجزء الاول

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

(بدر شاكر السياب) شاعر عصر التجديد الشعري / الجزء الاول

مُساهمة  سيف أديب في السبت فبراير 18, 2012 11:01 pm

اولاً : الشاعر في عصره
الكتابة عن الشاعر بدر شاكر السياب ( 1926 - 1964 ) كتابة عن الشعر العربي الجديد : منجزاً وتاريخا ابداعياً فهذا الشاعر الذي مثلت قصيدته الذروة في التجديد الشعري هو المؤسس الفعلي للقصيدة العربية الجديدة حتى رأى فيه النقد العربي وما جاء من قراءات لشعره بلغات اخرى ، الشاعر الذي حقق للشعر العربي في القرن العشرين اضافات حقيقية ما تزال ، منذ نحو نصف قرن من الزمن موضع اهتمام الدارسين والنقاد الذين وجدوا فيها وما زالوا يجدون ابعادا جديدة تقع في صلب الابداع الشعري .




واذا كانت قصائده الكبرى قد تشكلت وانطلقت من ذلك الاحساس بالانتماء الى وطن بكل ما لهذا الوطن ، بكل ما لهذا الوطن من ابعاد الحضور التاريخي فإن روح هذا الانتماء ستتصاعد عنده لتتشكل في منظور قومي الرؤية والجذور والموقف يعبر من خلالها عن هموم الانسان العربي وتطلعاته ، وقد وجد هذا الانسان نفسه كما تمثلته قصيدته ، بين حلمين : حلم البراءة الباحثة عن الرجاء والأمل ، وحلم الانسان الثوري الذي يتخذ من التضحية في سبيل القضية التي يتبنى وبها يؤمن عنوانا لانتصاره متمثلا في هذا المنحى الشعري الذي اتخذ الاسطورة التموزية (نسبة الى الاسطورة البابلية ) التي سيبني اهم قصائده على ما حملت من رؤيا ، جاعلا من رمز تلك الاسطورة تمثيلا لوجود انساني حي يتحرك بوعيه الجديد الذي هو وعي الانسان صاحب القضية حتى عّده غير ناقد ممن تناولوا شعره بانه الشاعر الذي عقد العلاقة في اعلى ما لها من المراتب الشعرية بين " ابدية الرمز " الاسطوري على نحو خاص وحركية الحياة المتدفعة بفعل الانسان الحامل مصيره انى اتجه او توجه فاذا الموت يقترن عنده بالولادة والانبعاث بروح متجددة ( الاسطورة التموزية) والفداء بالانتصار ( كما في رمز المسيح ) فاذا رموزه تحمل المعاني الدالة على انتصار الحياة على الموت وتعزيز انتصار الانسان فيها وجودا وقضية عبر رؤيا الخلاص .
غير ان هذا كله سيتوقف به ذات لحظة تاريخية من حياته / علاقته بالمدينة وقفة مراجعة وتحول يوم وجدها في مواقف من هذا التاريخ تتراجع وتخرج على افق حلمه بها منكسرة بمشروعه الانبعاثي - التجديدي فاذا هي قاتلة "تموز" فضلا عن محاصرتها رؤيته / رؤياه بالغد الافضل فلم يجد مفرا امامه وقد التّفت دروبها حوله سوى " العودة الى جيكور " قريته التي مثلت له اجلى صور البراءة والنقاء الانساني مستعيداً اياها كما اودعها وهو بعد في شبابه الاول الا انه وان وجد روحها ما تزال هي روحها التي عرف ولامس لم يجد جيكور كما كانت على ايامها على مسرح طفولته فقد اكلته السنون شبابها واحالتها " خرائب " ما ان تنزع الابواب عنها حتى " تغدو اطلالاً " اما الذكريات ذكرياته التي اودعها في كنفها ( من شباك وفيقة) الى " منزل الاقنان ودار جده الى " بوبب " نهرها الحبيب الى نفسه ) فلم يبق منها سوى " المعالم " .
بينما مضى اهلها مع ما مضى من شبابها ( بل شبابه ) الاول وقد تزامن هذا كله مع المرض الذي داهمه ولم يجد امامه وقد اشتد عليه ، سوى ثلاثة امور :الألم الذي عاش ضغوطاته القاتلة ، والبحث عن الشفاء وتداعيات الذكرى وسيوظف هذه العناصر الثلاثة توظيفات شعرية بارعة فكانت مدار شعره في الاعوام الاربعة الاخيرة من حياته وانتجت ما يمكن ان نعده ملحمة شعرية كبرى موضوعها : صراع الحياة مع الموت .
هذا من جانب ومن جانب آخر متصل بشعره منجزا فنيا فان من بين دارسيه من وجد هذا الشعر يمثل محتوى جديدا و" ولادة تعبير جديد " هو " طليعة الجدة في شعرنا " العربي وان " هذه الجدة عميقة اصيلة " فيه ، وتجربته فيها تجربة " ريادة: بدءا منها ومعها ، اخذ ينشأ للشعر العربي الجديد وسط تعبيري جديد ...."
ثانياً : الشاعر في سياق تطوره الشعري
اذا ما تتبعنا المسار التطوري لتجربة بدر شاكر السياب الشعرية سنجدها تتشكل من ثلاث مراحل أساسية ، سواء على مستوى الرؤية الشعرية او البعد الفني المجسد لهذه الرؤية وهي : مرحلة البدايات الرومانسية ثم مرحلة الانتقال الى الواقعية والانشغال بهموم الانسان في ما يتعين به وجوده زمانا ومكانا مع ملاحظة تطور هذه الرؤية لتغدو رؤيا كونية يتداخل فيها الواقعي مع الاسطوري في سياقات شعرية جديدة كانت الاسطورة التموزية عمادها الرمزي الأكبر .. ثم تأتي مرحلة العودة الى جيكور التي ستتداخل مع مرحلة المرض ، لتشكل بعدا آخر في تجربة الشاعر وانفتحت فيها قصيدته على زمنين : زمن الحلم الذاهب متمثلا بالماضي المستعاد وزمن المعاناة ، حيث الألم الجسدي والوجع الروحي .
فاذا كانت مرحلته الاولى قد تمثلت في عملين شعريين له ، هما " ازهار ذابلة " (1947) و" اساطير " 1950 اللذين مثل بهما جانباً من الامتداد الرؤيوي والاسلوبي للتجربة الشعرية الرومانسية في اطارها العربي ، التي منها تشكلت ثقافته الشعرية الأولى .. فأن الامتداد الذي ستعرفه تجربته من بعد سيكون في ذلك التواصل الواقعي في قصائد مثلت تجارب حية لواقع انشغل بهمومه وقضاياه ، مثل قصائده - مطولاته الثلاث : الأسلحة والاطفال و" حفار القبور " التي هي قصائد ذات نفس واقعي - ملحمي واضح وقد وجد فيها بعض دارسي شعره " بداية لنضج شخصيته الشعرية حيث انطلاق العواطف والتحامها ثم انتصارها او تحطمها على حد رؤية جبرا ابراهيم جبرا النقدية لها .
واذا كانت بدايات مرحلته الشعرية الثانية قد اتسمت بالواقعية التي طبعت معظم ادب الخمسينيات فان امتدادات هذه الواقعية ستأخذ عنده بعدا اكثر تطورا وسيتجلى ذلك في قصائده التموزية (حيث وظف هذه الاسطورة ابرع توظيف في قصيدته ) وذلك من خلال ما يتعين به وجود " البطل " من دور يضم الحاضر والمستقبل ، وبلغة شعرية مميزة تمثل ما يدعوه بعض النقاد " فرادة الهوية " الشعرية ؟
ولعله في هذا المنحى منه لم يبتعد عن أدب الواقعية في بعده الداعي الى ايجاد ابطال تدعوهم الحياة والاحداث الى الحضور والعمل .
اما مرحلته الثالثة وهي حقبة المرض التي تداخلت مع قصائده الجيكورية ، فقد قامت على ما يمكن تسميته بالتركيب التراجعي - المستعيد للماضي زمنا ووقائع ليقدم من خلال عملية الاستعادة هذه احاطة بالعلاقة بين الذات والواقع وهي علاقة تتركب وتتشكل من خلال الوقائع الحياتية والتجارب العاطفية الحافة بها من ذلك الماضي .
وعلى الرغم من انه كان يتحرك حركته الشعرية في قصائده هذه نحو الماضي وبـ( عّدة ) الماضي الوقائعية فانه في تعبيره الشعري عنها كان كمن يتقدم بها الى الحاضر وكان ذلك الماضي هو كل ما بقي له من الحياة وفي الحياة التي عاشها في حقبة المرض هذه في اشقى حالاتها .ومع ان ذلك الماضي لم ينفتح له الا عن " الخيبات العاطفية " و" الهزائم الذاتية " الا اننا نجده يتوزع ، موقفاً بين حالتين : حالة الضدية التي لم تأخذ مداها الا في قصائد معدودة وحالة " غناء " ذلك الماضي في ما انطوى عليه من لحظات الحياة والحيوية العاطفية. أما المستقبل فلم يدخل قصائد هذه المرحلة الا من باب رؤية الفناء والنهاية (الموت) التي لم يكن يرجوها لنفسه وهذا ما جعل اساطير الانبعاث والتجدد التي رافقت مرحلته الثانية ( التموزية ) تغيب غيابا شبه كلي عن افق قصيدته في هذه المرحلة .
وفي توزيع شعره على هذه المراحل الثلاث يكون من المهم النظر اليها من منظور زمني لنراها على خلفية المواقف التي اسست لها فندرك ، ونعين طبيعة ما قدمته كل مرحلة منها ، ومن ثم الوقوف على دوره الريادي في الوصول الى الأسس الفنية التي اعتمدها اساساً لتجاربه الشعرية ، التي سيكون لها طابعها الخاص - وهو طابع البحث والتأسيس . فالفكرة التي قام عليها التأسيس الموضوعي لقصيدته تتوازى مع ما كان ينبثق عنده من قدرة فنية على تحقيقها شعريا .. فقد جمع في هذه التجربة بين البعد الذاتي في القول الشعري ، والتجربة التي ان كانت بداية قد تشكلت على اساس ذاتي - عاطفي ، فانها في مرحلة تالية ستقوم على رؤيا وتجربة أخذتا مداهما الكبير من خلال الانفتاح على حقيقة العصر ، بتمرداته وبرؤى الانسان المتطلعة الى الغد فيه في حين ستكون قصائد مرحلته الاخيرة تشكيلا من عملية اندماج بين حالتين : حالة المعاناة الجسدية بكل ما انطوت عليه منألم وفرضت من عزلة عاشها الشاعر عن العالم الخارجي ( ملازمة سرير المرض ) وحالة الهرب الى الماضي كأسلوب من أساليب مواجهة الحاضر فاذا هو في عملية الاستعادة هذه اقرب الى ذلك الروح الرومانسي الذي انطبعت به تجاربه الاولى .
ثالثاً :الشاعر والاسطورة
اذات كانت مغامرة السياب الشعرية قد تحددت اكثر ما تحددت بالاسطورة ومن خلال الاسطورة بما انفتحت عنه من رموز دالة فذلك لانه وجد فيها من عناصر التخييل ما ساعده شعريا على ان يدمج الحلم بالواقع ، مشكلا من عملية الدمج هذه رؤيا زمانية مفتوحة على الواقع ، والانسان والتاريخ ومتصلة الجوهر بهذا الانسان - قضية وجود ورؤيا في هذا الوجود ، يحملها الى الوجود من اجل احداث التغيير الايجابي فيه - من جانب وموصولة بما هو " تخييل موضوعي " اذا جاز التعبير من جانب اخر وهو ما جعل لمخيلته الشعرية تلقائيتها في تكوين الصورة الشعرية ، وبناءها على أساس شكلت فيه / ومن خلاله اعادة بناء للواقع ، وذلك بما كان له منها / وفيها من طرائق التعبير التي اصبحت من الخصائص الفنية لقصيدته .
وقد التقت معاني هذه الاسطورة مع ما كان له من معان كبرى للوجود ، فاذا هي رؤيا زمانية ومكانية مفتوحة عنده على صياغات لا يحدها عائق تعبيري ، فاذا هو يعيد تشكيلها ويجعلها تتكلم لغته ، لا لغتها الميثولوجية محررا طاقاتها التخييلية وجاعلاً لها منطقها الخاص سردا وتمثيلا ومحركا حيويتها الرمزية بلغته التي راح يستنطق بها عصره وانسان عصره بلغة التغيير وقد اعاد حضورهما من خلال هذا المتخيل الاسطوري ذاته .
ومن جانب اخر كان السياب في علاقته بالأسطورة قد مثل شعريا رهانه على الواقع / مع الواقع فاتحا طريق الارادة الفاعلة والمغيرة بفعلها الذاتي امام انسانه ليحدث فعله المغير فيه .فانعقد التماهي بين الانسان والاسطورة بما جعل من " فعل " هذا الانسان معادلا واقعيا للخارق او المعجز الاسطوري الذي يحول الحياة الى حال الديمومة والبقاء ويجعل فعل الانسان فيها فعل انتصار - كما في اسطورة تموز ( اله الخصب والنماء عند البابليين القدماء) حيث يرتقي الأنسان سدة الحياة بانتصاره على الموت مجددا روح هذه الحياة وعائدا بالربيع والخصب اليها .وبتماهي الانسان وجودا مع الاسطورة والبطل الاسطوري من خلال ماتفتحه هذه الاسطورة من آفاق جديدة امام الروح المبدع . لذلك لا غرابة في ان يجد صورة الانسان العربي الجديد تتماهى مع صورة الرمز التموزي كما حملته الاسطورة البابلية سواء من زاوية اتصاله بالعالم او في نطاق المعنى / الدلالة ، وقد جمعهما فيه رمزا :
اعين البندقيات يأكلن دربي
شرعُ تحلم النار فيها بصلبي
ان تكن من حديد ونار فأحداق شعبي
من ضياء السماوات ، من ذكريات وحب
تحمل العبء عني فيندي صليبي فما أصغره
ذلك الموت ، موتي وما اكبره !
ومن خلال الاسطورة التموزية كانت الحياة تتفتح له عن معانيها الكبرى وقد استوعبت قصيدته تلك المعاني. فقد كانت هذه الاسطورة الينبوع الثرّ الذي استقى منه الكثير منمعانيه وصوره الشعرية .

سيف أديب
مشرف متميز
مشرف متميز

عدد المساهمات : 198
تاريخ التسجيل : 31/08/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: (بدر شاكر السياب) شاعر عصر التجديد الشعري / الجزء الاول

مُساهمة  Admin في الأحد فبراير 19, 2012 1:30 pm

سيف أديب كتب:اولاً : الشاعر في عصره
الكتابة عن الشاعر بدر شاكر السياب ( 1926 - 1964 ) كتابة عن الشعر العربي الجديد : منجزاً وتاريخا ابداعياً فهذا الشاعر الذي مثلت قصيدته الذروة في التجديد الشعري هو المؤسس الفعلي للقصيدة العربية الجديدة حتى رأى فيه النقد العربي وما جاء من قراءات لشعره بلغات اخرى ، الشاعر الذي حقق للشعر العربي في القرن العشرين اضافات حقيقية ما تزال ، منذ نحو نصف قرن من الزمن موضع اهتمام الدارسين والنقاد الذين وجدوا فيها وما زالوا يجدون ابعادا جديدة تقع في صلب الابداع الشعري .




واذا كانت قصائده الكبرى قد تشكلت وانطلقت من ذلك الاحساس بالانتماء الى وطن بكل ما لهذا الوطن ، بكل ما لهذا الوطن من ابعاد الحضور التاريخي فإن روح هذا الانتماء ستتصاعد عنده لتتشكل في منظور قومي الرؤية والجذور والموقف يعبر من خلالها عن هموم الانسان العربي وتطلعاته ، وقد وجد هذا الانسان نفسه كما تمثلته قصيدته ، بين حلمين : حلم البراءة الباحثة عن الرجاء والأمل ، وحلم الانسان الثوري الذي يتخذ من التضحية في سبيل القضية التي يتبنى وبها يؤمن عنوانا لانتصاره متمثلا في هذا المنحى الشعري الذي اتخذ الاسطورة التموزية (نسبة الى الاسطورة البابلية ) التي سيبني اهم قصائده على ما حملت من رؤيا ، جاعلا من رمز تلك الاسطورة تمثيلا لوجود انساني حي يتحرك بوعيه الجديد الذي هو وعي الانسان صاحب القضية حتى عّده غير ناقد ممن تناولوا شعره بانه الشاعر الذي عقد العلاقة في اعلى ما لها من المراتب الشعرية بين " ابدية الرمز " الاسطوري على نحو خاص وحركية الحياة المتدفعة بفعل الانسان الحامل مصيره انى اتجه او توجه فاذا الموت يقترن عنده بالولادة والانبعاث بروح متجددة ( الاسطورة التموزية) والفداء بالانتصار ( كما في رمز المسيح ) فاذا رموزه تحمل المعاني الدالة على انتصار الحياة على الموت وتعزيز انتصار الانسان فيها وجودا وقضية عبر رؤيا الخلاص .
غير ان هذا كله سيتوقف به ذات لحظة تاريخية من حياته / علاقته بالمدينة وقفة مراجعة وتحول يوم وجدها في مواقف من هذا التاريخ تتراجع وتخرج على افق حلمه بها منكسرة بمشروعه الانبعاثي - التجديدي فاذا هي قاتلة "تموز" فضلا عن محاصرتها رؤيته / رؤياه بالغد الافضل فلم يجد مفرا امامه وقد التّفت دروبها حوله سوى " العودة الى جيكور " قريته التي مثلت له اجلى صور البراءة والنقاء الانساني مستعيداً اياها كما اودعها وهو بعد في شبابه الاول الا انه وان وجد روحها ما تزال هي روحها التي عرف ولامس لم يجد جيكور كما كانت على ايامها على مسرح طفولته فقد اكلته السنون شبابها واحالتها " خرائب " ما ان تنزع الابواب عنها حتى " تغدو اطلالاً " اما الذكريات ذكرياته التي اودعها في كنفها ( من شباك وفيقة) الى " منزل الاقنان ودار جده الى " بوبب " نهرها الحبيب الى نفسه ) فلم يبق منها سوى " المعالم " .
بينما مضى اهلها مع ما مضى من شبابها ( بل شبابه ) الاول وقد تزامن هذا كله مع المرض الذي داهمه ولم يجد امامه وقد اشتد عليه ، سوى ثلاثة امور :الألم الذي عاش ضغوطاته القاتلة ، والبحث عن الشفاء وتداعيات الذكرى وسيوظف هذه العناصر الثلاثة توظيفات شعرية بارعة فكانت مدار شعره في الاعوام الاربعة الاخيرة من حياته وانتجت ما يمكن ان نعده ملحمة شعرية كبرى موضوعها : صراع الحياة مع الموت .
هذا من جانب ومن جانب آخر متصل بشعره منجزا فنيا فان من بين دارسيه من وجد هذا الشعر يمثل محتوى جديدا و" ولادة تعبير جديد " هو " طليعة الجدة في شعرنا " العربي وان " هذه الجدة عميقة اصيلة " فيه ، وتجربته فيها تجربة " ريادة: بدءا منها ومعها ، اخذ ينشأ للشعر العربي الجديد وسط تعبيري جديد ...."
ثانياً : الشاعر في سياق تطوره الشعري
اذا ما تتبعنا المسار التطوري لتجربة بدر شاكر السياب الشعرية سنجدها تتشكل من ثلاث مراحل أساسية ، سواء على مستوى الرؤية الشعرية او البعد الفني المجسد لهذه الرؤية وهي : مرحلة البدايات الرومانسية ثم مرحلة الانتقال الى الواقعية والانشغال بهموم الانسان في ما يتعين به وجوده زمانا ومكانا مع ملاحظة تطور هذه الرؤية لتغدو رؤيا كونية يتداخل فيها الواقعي مع الاسطوري في سياقات شعرية جديدة كانت الاسطورة التموزية عمادها الرمزي الأكبر .. ثم تأتي مرحلة العودة الى جيكور التي ستتداخل مع مرحلة المرض ، لتشكل بعدا آخر في تجربة الشاعر وانفتحت فيها قصيدته على زمنين : زمن الحلم الذاهب متمثلا بالماضي المستعاد وزمن المعاناة ، حيث الألم الجسدي والوجع الروحي .
فاذا كانت مرحلته الاولى قد تمثلت في عملين شعريين له ، هما " ازهار ذابلة " (1947) و" اساطير " 1950 اللذين مثل بهما جانباً من الامتداد الرؤيوي والاسلوبي للتجربة الشعرية الرومانسية في اطارها العربي ، التي منها تشكلت ثقافته الشعرية الأولى .. فأن الامتداد الذي ستعرفه تجربته من بعد سيكون في ذلك التواصل الواقعي في قصائد مثلت تجارب حية لواقع انشغل بهمومه وقضاياه ، مثل قصائده - مطولاته الثلاث : الأسلحة والاطفال و" حفار القبور " التي هي قصائد ذات نفس واقعي - ملحمي واضح وقد وجد فيها بعض دارسي شعره " بداية لنضج شخصيته الشعرية حيث انطلاق العواطف والتحامها ثم انتصارها او تحطمها على حد رؤية جبرا ابراهيم جبرا النقدية لها .
واذا كانت بدايات مرحلته الشعرية الثانية قد اتسمت بالواقعية التي طبعت معظم ادب الخمسينيات فان امتدادات هذه الواقعية ستأخذ عنده بعدا اكثر تطورا وسيتجلى ذلك في قصائده التموزية (حيث وظف هذه الاسطورة ابرع توظيف في قصيدته ) وذلك من خلال ما يتعين به وجود " البطل " من دور يضم الحاضر والمستقبل ، وبلغة شعرية مميزة تمثل ما يدعوه بعض النقاد " فرادة الهوية " الشعرية ؟
ولعله في هذا المنحى منه لم يبتعد عن أدب الواقعية في بعده الداعي الى ايجاد ابطال تدعوهم الحياة والاحداث الى الحضور والعمل .
اما مرحلته الثالثة وهي حقبة المرض التي تداخلت مع قصائده الجيكورية ، فقد قامت على ما يمكن تسميته بالتركيب التراجعي - المستعيد للماضي زمنا ووقائع ليقدم من خلال عملية الاستعادة هذه احاطة بالعلاقة بين الذات والواقع وهي علاقة تتركب وتتشكل من خلال الوقائع الحياتية والتجارب العاطفية الحافة بها من ذلك الماضي .
وعلى الرغم من انه كان يتحرك حركته الشعرية في قصائده هذه نحو الماضي وبـ( عّدة ) الماضي الوقائعية فانه في تعبيره الشعري عنها كان كمن يتقدم بها الى الحاضر وكان ذلك الماضي هو كل ما بقي له من الحياة وفي الحياة التي عاشها في حقبة المرض هذه في اشقى حالاتها .ومع ان ذلك الماضي لم ينفتح له الا عن " الخيبات العاطفية " و" الهزائم الذاتية " الا اننا نجده يتوزع ، موقفاً بين حالتين : حالة الضدية التي لم تأخذ مداها الا في قصائد معدودة وحالة " غناء " ذلك الماضي في ما انطوى عليه من لحظات الحياة والحيوية العاطفية. أما المستقبل فلم يدخل قصائد هذه المرحلة الا من باب رؤية الفناء والنهاية (الموت) التي لم يكن يرجوها لنفسه وهذا ما جعل اساطير الانبعاث والتجدد التي رافقت مرحلته الثانية ( التموزية ) تغيب غيابا شبه كلي عن افق قصيدته في هذه المرحلة .
وفي توزيع شعره على هذه المراحل الثلاث يكون من المهم النظر اليها من منظور زمني لنراها على خلفية المواقف التي اسست لها فندرك ، ونعين طبيعة ما قدمته كل مرحلة منها ، ومن ثم الوقوف على دوره الريادي في الوصول الى الأسس الفنية التي اعتمدها اساساً لتجاربه الشعرية ، التي سيكون لها طابعها الخاص - وهو طابع البحث والتأسيس . فالفكرة التي قام عليها التأسيس الموضوعي لقصيدته تتوازى مع ما كان ينبثق عنده من قدرة فنية على تحقيقها شعريا .. فقد جمع في هذه التجربة بين البعد الذاتي في القول الشعري ، والتجربة التي ان كانت بداية قد تشكلت على اساس ذاتي - عاطفي ، فانها في مرحلة تالية ستقوم على رؤيا وتجربة أخذتا مداهما الكبير من خلال الانفتاح على حقيقة العصر ، بتمرداته وبرؤى الانسان المتطلعة الى الغد فيه في حين ستكون قصائد مرحلته الاخيرة تشكيلا من عملية اندماج بين حالتين : حالة المعاناة الجسدية بكل ما انطوت عليه منألم وفرضت من عزلة عاشها الشاعر عن العالم الخارجي ( ملازمة سرير المرض ) وحالة الهرب الى الماضي كأسلوب من أساليب مواجهة الحاضر فاذا هو في عملية الاستعادة هذه اقرب الى ذلك الروح الرومانسي الذي انطبعت به تجاربه الاولى .
ثالثاً :الشاعر والاسطورة
اذات كانت مغامرة السياب الشعرية قد تحددت اكثر ما تحددت بالاسطورة ومن خلال الاسطورة بما انفتحت عنه من رموز دالة فذلك لانه وجد فيها من عناصر التخييل ما ساعده شعريا على ان يدمج الحلم بالواقع ، مشكلا من عملية الدمج هذه رؤيا زمانية مفتوحة على الواقع ، والانسان والتاريخ ومتصلة الجوهر بهذا الانسان - قضية وجود ورؤيا في هذا الوجود ، يحملها الى الوجود من اجل احداث التغيير الايجابي فيه - من جانب وموصولة بما هو " تخييل موضوعي " اذا جاز التعبير من جانب اخر وهو ما جعل لمخيلته الشعرية تلقائيتها في تكوين الصورة الشعرية ، وبناءها على أساس شكلت فيه / ومن خلاله اعادة بناء للواقع ، وذلك بما كان له منها / وفيها من طرائق التعبير التي اصبحت من الخصائص الفنية لقصيدته .
وقد التقت معاني هذه الاسطورة مع ما كان له من معان كبرى للوجود ، فاذا هي رؤيا زمانية ومكانية مفتوحة عنده على صياغات لا يحدها عائق تعبيري ، فاذا هو يعيد تشكيلها ويجعلها تتكلم لغته ، لا لغتها الميثولوجية محررا طاقاتها التخييلية وجاعلاً لها منطقها الخاص سردا وتمثيلا ومحركا حيويتها الرمزية بلغته التي راح يستنطق بها عصره وانسان عصره بلغة التغيير وقد اعاد حضورهما من خلال هذا المتخيل الاسطوري ذاته .
ومن جانب اخر كان السياب في علاقته بالأسطورة قد مثل شعريا رهانه على الواقع / مع الواقع فاتحا طريق الارادة الفاعلة والمغيرة بفعلها الذاتي امام انسانه ليحدث فعله المغير فيه .فانعقد التماهي بين الانسان والاسطورة بما جعل من " فعل " هذا الانسان معادلا واقعيا للخارق او المعجز الاسطوري الذي يحول الحياة الى حال الديمومة والبقاء ويجعل فعل الانسان فيها فعل انتصار - كما في اسطورة تموز ( اله الخصب والنماء عند البابليين القدماء) حيث يرتقي الأنسان سدة الحياة بانتصاره على الموت مجددا روح هذه الحياة وعائدا بالربيع والخصب اليها .وبتماهي الانسان وجودا مع الاسطورة والبطل الاسطوري من خلال ماتفتحه هذه الاسطورة من آفاق جديدة امام الروح المبدع . لذلك لا غرابة في ان يجد صورة الانسان العربي الجديد تتماهى مع صورة الرمز التموزي كما حملته الاسطورة البابلية سواء من زاوية اتصاله بالعالم او في نطاق المعنى / الدلالة ، وقد جمعهما فيه رمزا :
اعين البندقيات يأكلن دربي
شرعُ تحلم النار فيها بصلبي
ان تكن من حديد ونار فأحداق شعبي
من ضياء السماوات ، من ذكريات وحب
تحمل العبء عني فيندي صليبي فما أصغره
ذلك الموت ، موتي وما اكبره !
ومن خلال الاسطورة التموزية كانت الحياة تتفتح له عن معانيها الكبرى وقد استوعبت قصيدته تلك المعاني. فقد كانت هذه الاسطورة الينبوع الثرّ الذي استقى منه الكثير منمعانيه وصوره الشعرية .

بارك الله فيك أستاذنا الكريم ،جعل الله ما تقدمه صدقة جارية ...

_________________


Admin
Admin
Admin

عدد المساهمات : 739
تاريخ التسجيل : 01/08/2008

http://lycee17.almountadayat.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى