(بدر شاكر السياب) شاعر عصر التجديد الشعري /الجزء الرابع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

(بدر شاكر السياب) شاعر عصر التجديد الشعري /الجزء الرابع

مُساهمة  سيف أديب في السبت فبراير 18, 2012 10:56 pm

كيف اكتسب السياب ، الشاعر والشعر ، صفة الريادة في مجال التجديد الشعري ؟
ان السؤال لا يتوجه الى تاريخ زمني محدد انشغل به عديد الباحثين والدارسين مما تناولوا شعر الشاعر ، أو الشعر الجديد وجه عام ( من كان السباق الى الريادة ) وانما يتضمن دعوة الى البحث في القضية الفنية في القصيدة الجديدة ، التي جعلت من قصيدة السياب قصيدة متقدمة فنياً لتكتسب دور الريادة في حركة الشعر العربي الجديد . كما يتوجه (السؤال ) الى رصد عناصر التطور الفني المتحققة في هذه القصيدة ، بدون أن يتخطى الفكر التجديدي عند الشاعر ورؤياه الشعرية - التي ستلعب دورا مهما في بناء رؤيته التجديدية وموقفه ايضا في ما هو متحقق في قصيدته التي ستكون اساساً ومنطلقاً لشعر جديد كان له أن تبلور بقيمه الفنية والموضوعية في أعماله الشعرية المتوالية ، زمنا وتطوراً ما جعل النقد والبحث في قضايا الشعر الجديد يجد فيه شاعرا وشعرا ما يؤسس عليه رؤيته النقدية والبحثية الجديدة بأصولها ومفهوماتها التي اكدتها وبلورتها قصيدته .
وقد تأسست هذه القيمة الشعرية الجديدة عند السّياب على ثلاث ركائز اساسية تتصل الاولى منها / وتصدر عن موهبة شعرية عالية انتجت وبلورت تكوينه الفني شعريا بما حدد - وهذا ثانيا - نظرته الى العالم التي تكونت وقدمت صياغاتها الشعرية في مرحلة مهمة من مراحل التاريخ العربي شد فيها المجتمع العربي تحولات كبيرة وخطيرة (تصاعد حركات التحرر العربي ) وتبلور مفهومات الثقافة العربية الجديدة القائمة على أسس تاريخية ذات بعد قومي وقيام الثورات التي انتقلت بالمجتمع العربي من طور الى آخر مغاير … الخ ) وعرفت الثقافة العربية بآدابها وفنونها من أسباب التطور ما كان كفيلاً بنلها الى مستوى جديد ومتطور ماانعكس - وهذا هو العنصر الثالث- على ثقافة الشاعر العربي الجديد هذه الثقافة التي انفتحت على معطيات عصر جديد ، في الوقت الذي اتصلت فيه اتصال خلق وابداع بالتراث العربي في نبعيه : الشعري ، والميثولوجي - الذي سيشكل بعداً حيا من أبعاد القصيدة الجديدة ، وقصيدة السياب على وجه الخصوص .
فاذا ما نظرنا من خلال هذا المتحقق الى تاريخية التطور الشعري للشاعر ، بين تجاربه الأولى في مجموعتيه الأوليين (أزهار ذابلة 1947 وأساطير 1950 ) اللتين انبتنا ، شعرياً وفنياً ، على تجارب ذات بعد رومانسي وبحس ووعي رومانسيين ، وبين قصائد ديوانه الكبير والمهم “ انشودة المطر “ 1951 -1960 “ سنجد ان هناك طفرة نوعية متحققة في قصائد هذا العمل ، وقد اخذت صيغة من صيغ التوالي الزمني في عملية التطور هذه ليس فنيا حسب ، وانما في رؤية العالم ، وفــــــــي الموقــــــــف (الذي وقفه انسانه ) في هذا العالم ، ومن قضاياه ، التي سيهمه منها بدرجة اساس ، قضايا أمته العربية ، والمخاض القومي الجديد لانسانها .. فضلا عن القيمة الشعرية الجديدة ، والكبيرة المتحققة من خلال ذلك .. هذه القيمة المتأتية عنده من مصدرين : ذاتي وثقافي - تكويني كان له الدور الأساس في بناء هذه الذات على النحو الذي انبنت عليه . فهو كما يتبدى من عديد القصائد التي تنتمي الى مراحل مختلفة من حياته الشعرية ، كان يتمثل ابداعيا وكأنه روح لا محدودة ، رؤية وطاقات خلق .. وانه كان يدرك العالم برؤيته / رؤياه اكثر من ادراكه بعقله ، وكان في هذا مأخوذاً بهاجس الاكتشاف لذلك كانت ايقاعات الميلاد والبعث والتجدد من خلال عملية الخلق ، اكبر واعلى عنده وأعمق اثراً من اية ايقاعات اخرى بما في ذلك “ ايقاع الموت “ الذي صار في المرحلة الاخيرة من حياته يطرق عليه الباب ، وبقوة .
لو قابلنا هنا بين مفردات “ المعجم الشعري “ السيابي في مرحلتيه الأخيرتين ( التموزية ، ومرحلة العودة الى جيكور ، فالمرض ) سنقف على عمق حركة النفس / الذات في قصائد كل من المرحلتين ، والاتجاه / التوجه الذي اتخذه في كل منهما من خلال التشديد على مفردات بذاتها وان كانت ذات معان ودلالات كبيرة :
ففي المرحلة التموزية تواجهنا كلمات مثل : الخصب ، النماء ، الانتصار ، المطر ، الزهر ، الشمس ، النهر ، النهار ، الأغاني ، البعث .. وسواها مما ينفتح القول الشعري عنده فيها على أفق مفتوح ، لنجدها كلمات مشحونة بطاقة رمزية عالية مستمدة الأصول من روح متطلعة الى غد من الآمال الكبيرة ، ترفدها رموز أسطورية وأخرى تاريخية بمثل هذه الدلالات الحيوية التي جعلت للتعبير الشعري عنده مستواه المرتبط بالفعل الخلاق - أو ما هو منه - حيث الرؤيا التي تحمل بناءاتها الموضوعية معاني التجدد ، ودلالات هذا التجدد في مستوى الواقع .
أما المرحلة الأخيرة فنجدها تنطوي على رموز الذكرى وكل ما له علاقة بالاستعادة والتذكر بما جعل الحاضر مفرغاً من تلك الدلالات والمعاني الكبيرة التي انفتحت عليها قصائده التموزية .
الا أن هناك “ جوهراً “ لقصيدة السياب ظل قائما في كل ما كتب وهو أن القصيدة التي تبدأ في العادة من حالة او موقف ومن رؤية زمانية كانت أم مكانية نجدها تكبر بصورها المشهدية فضلا عن معانيها بما حقق ( التعبير ) المتميز عن الفكرة أو التجربة ، متزامنا مع “ تمثيلاها “ اي انه جعل القصيد ، قصيدته ، متحققة شعرياً من خلال وعيها لذاتها فناً مبدعاً .
لقد كانت روح العصر الذي عاشه السياب الشاعر ، وكتب فيه ما كتب عصرا متمرد الروح ، تقدمي النزعة والتوجه ، ثوري الفعل والارادة .. كان له أن انعكس عنده شعريا في مستويين : مستوى الموقف الشعري ومستوى المعطى الشعري وكانت عملية التقدم بهذا كله من قبله شاعرا قد تمت على أسس واضحة.
وتأسيساً على هذا جاء شعر السّياب ليمثل الحدث الابداعي الحقيقي لذلك العصر وكان في تجديده ، وفي المعطيات المتحققة من قبله من خلال هذا التجديد / وبه ، التعبير الأشمل ، والأكثر خصوصية عن “ روح الحرية” فهو الشاعر الذي عاش ما أسمته الأدبيات ذات المنظور السياسي “ عصر الثورة والتغيير “ الثورة التي كان الشعر الجديد أحد وجوهها الحيّة وبامتياز كما كان مبدأ التقّدم في وعي الحرية عند الشاعر أساساً في تكوين منظوره الشعري ، ومنطلقا له في بناء رؤيته / رؤياه الشعرية .
لقد كان شاعراً من غير اليسير أن يتكرر صوته في عصرنا

سيف أديب
مشرف متميز
مشرف متميز

عدد المساهمات : 198
تاريخ التسجيل : 31/08/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: (بدر شاكر السياب) شاعر عصر التجديد الشعري /الجزء الرابع

مُساهمة  Admin في الأحد فبراير 19, 2012 1:31 pm

سيف أديب كتب:كيف اكتسب السياب ، الشاعر والشعر ، صفة الريادة في مجال التجديد الشعري ؟
ان السؤال لا يتوجه الى تاريخ زمني محدد انشغل به عديد الباحثين والدارسين مما تناولوا شعر الشاعر ، أو الشعر الجديد وجه عام ( من كان السباق الى الريادة ) وانما يتضمن دعوة الى البحث في القضية الفنية في القصيدة الجديدة ، التي جعلت من قصيدة السياب قصيدة متقدمة فنياً لتكتسب دور الريادة في حركة الشعر العربي الجديد . كما يتوجه (السؤال ) الى رصد عناصر التطور الفني المتحققة في هذه القصيدة ، بدون أن يتخطى الفكر التجديدي عند الشاعر ورؤياه الشعرية - التي ستلعب دورا مهما في بناء رؤيته التجديدية وموقفه ايضا في ما هو متحقق في قصيدته التي ستكون اساساً ومنطلقاً لشعر جديد كان له أن تبلور بقيمه الفنية والموضوعية في أعماله الشعرية المتوالية ، زمنا وتطوراً ما جعل النقد والبحث في قضايا الشعر الجديد يجد فيه شاعرا وشعرا ما يؤسس عليه رؤيته النقدية والبحثية الجديدة بأصولها ومفهوماتها التي اكدتها وبلورتها قصيدته .
وقد تأسست هذه القيمة الشعرية الجديدة عند السّياب على ثلاث ركائز اساسية تتصل الاولى منها / وتصدر عن موهبة شعرية عالية انتجت وبلورت تكوينه الفني شعريا بما حدد - وهذا ثانيا - نظرته الى العالم التي تكونت وقدمت صياغاتها الشعرية في مرحلة مهمة من مراحل التاريخ العربي شد فيها المجتمع العربي تحولات كبيرة وخطيرة (تصاعد حركات التحرر العربي ) وتبلور مفهومات الثقافة العربية الجديدة القائمة على أسس تاريخية ذات بعد قومي وقيام الثورات التي انتقلت بالمجتمع العربي من طور الى آخر مغاير … الخ ) وعرفت الثقافة العربية بآدابها وفنونها من أسباب التطور ما كان كفيلاً بنلها الى مستوى جديد ومتطور ماانعكس - وهذا هو العنصر الثالث- على ثقافة الشاعر العربي الجديد هذه الثقافة التي انفتحت على معطيات عصر جديد ، في الوقت الذي اتصلت فيه اتصال خلق وابداع بالتراث العربي في نبعيه : الشعري ، والميثولوجي - الذي سيشكل بعداً حيا من أبعاد القصيدة الجديدة ، وقصيدة السياب على وجه الخصوص .
فاذا ما نظرنا من خلال هذا المتحقق الى تاريخية التطور الشعري للشاعر ، بين تجاربه الأولى في مجموعتيه الأوليين (أزهار ذابلة 1947 وأساطير 1950 ) اللتين انبتنا ، شعرياً وفنياً ، على تجارب ذات بعد رومانسي وبحس ووعي رومانسيين ، وبين قصائد ديوانه الكبير والمهم “ انشودة المطر “ 1951 -1960 “ سنجد ان هناك طفرة نوعية متحققة في قصائد هذا العمل ، وقد اخذت صيغة من صيغ التوالي الزمني في عملية التطور هذه ليس فنيا حسب ، وانما في رؤية العالم ، وفــــــــي الموقــــــــف (الذي وقفه انسانه ) في هذا العالم ، ومن قضاياه ، التي سيهمه منها بدرجة اساس ، قضايا أمته العربية ، والمخاض القومي الجديد لانسانها .. فضلا عن القيمة الشعرية الجديدة ، والكبيرة المتحققة من خلال ذلك .. هذه القيمة المتأتية عنده من مصدرين : ذاتي وثقافي - تكويني كان له الدور الأساس في بناء هذه الذات على النحو الذي انبنت عليه . فهو كما يتبدى من عديد القصائد التي تنتمي الى مراحل مختلفة من حياته الشعرية ، كان يتمثل ابداعيا وكأنه روح لا محدودة ، رؤية وطاقات خلق .. وانه كان يدرك العالم برؤيته / رؤياه اكثر من ادراكه بعقله ، وكان في هذا مأخوذاً بهاجس الاكتشاف لذلك كانت ايقاعات الميلاد والبعث والتجدد من خلال عملية الخلق ، اكبر واعلى عنده وأعمق اثراً من اية ايقاعات اخرى بما في ذلك “ ايقاع الموت “ الذي صار في المرحلة الاخيرة من حياته يطرق عليه الباب ، وبقوة .
لو قابلنا هنا بين مفردات “ المعجم الشعري “ السيابي في مرحلتيه الأخيرتين ( التموزية ، ومرحلة العودة الى جيكور ، فالمرض ) سنقف على عمق حركة النفس / الذات في قصائد كل من المرحلتين ، والاتجاه / التوجه الذي اتخذه في كل منهما من خلال التشديد على مفردات بذاتها وان كانت ذات معان ودلالات كبيرة :
ففي المرحلة التموزية تواجهنا كلمات مثل : الخصب ، النماء ، الانتصار ، المطر ، الزهر ، الشمس ، النهر ، النهار ، الأغاني ، البعث .. وسواها مما ينفتح القول الشعري عنده فيها على أفق مفتوح ، لنجدها كلمات مشحونة بطاقة رمزية عالية مستمدة الأصول من روح متطلعة الى غد من الآمال الكبيرة ، ترفدها رموز أسطورية وأخرى تاريخية بمثل هذه الدلالات الحيوية التي جعلت للتعبير الشعري عنده مستواه المرتبط بالفعل الخلاق - أو ما هو منه - حيث الرؤيا التي تحمل بناءاتها الموضوعية معاني التجدد ، ودلالات هذا التجدد في مستوى الواقع .
أما المرحلة الأخيرة فنجدها تنطوي على رموز الذكرى وكل ما له علاقة بالاستعادة والتذكر بما جعل الحاضر مفرغاً من تلك الدلالات والمعاني الكبيرة التي انفتحت عليها قصائده التموزية .
الا أن هناك “ جوهراً “ لقصيدة السياب ظل قائما في كل ما كتب وهو أن القصيدة التي تبدأ في العادة من حالة او موقف ومن رؤية زمانية كانت أم مكانية نجدها تكبر بصورها المشهدية فضلا عن معانيها بما حقق ( التعبير ) المتميز عن الفكرة أو التجربة ، متزامنا مع “ تمثيلاها “ اي انه جعل القصيد ، قصيدته ، متحققة شعرياً من خلال وعيها لذاتها فناً مبدعاً .
لقد كانت روح العصر الذي عاشه السياب الشاعر ، وكتب فيه ما كتب عصرا متمرد الروح ، تقدمي النزعة والتوجه ، ثوري الفعل والارادة .. كان له أن انعكس عنده شعريا في مستويين : مستوى الموقف الشعري ومستوى المعطى الشعري وكانت عملية التقدم بهذا كله من قبله شاعرا قد تمت على أسس واضحة.
وتأسيساً على هذا جاء شعر السّياب ليمثل الحدث الابداعي الحقيقي لذلك العصر وكان في تجديده ، وفي المعطيات المتحققة من قبله من خلال هذا التجديد / وبه ، التعبير الأشمل ، والأكثر خصوصية عن “ روح الحرية” فهو الشاعر الذي عاش ما أسمته الأدبيات ذات المنظور السياسي “ عصر الثورة والتغيير “ الثورة التي كان الشعر الجديد أحد وجوهها الحيّة وبامتياز كما كان مبدأ التقّدم في وعي الحرية عند الشاعر أساساً في تكوين منظوره الشعري ، ومنطلقا له في بناء رؤيته / رؤياه الشعرية .
لقد كان شاعراً من غير اليسير أن يتكرر صوته في عصرنا

بارك الله فيك أستاذنا الكريم ،جعل الله ما تقدمه صدقة جارية ...

_________________


Admin
Admin
Admin

عدد المساهمات : 739
تاريخ التسجيل : 01/08/2008

http://lycee17.almountadayat.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: (بدر شاكر السياب) شاعر عصر التجديد الشعري /الجزء الرابع

مُساهمة  Admin في الأحد فبراير 19, 2012 1:35 pm

سيف أديب كتب:كيف اكتسب السياب ، الشاعر والشعر ، صفة الريادة في مجال التجديد الشعري ؟
ان السؤال لا يتوجه الى تاريخ زمني محدد انشغل به عديد الباحثين والدارسين مما تناولوا شعر الشاعر ، أو الشعر الجديد وجه عام ( من كان السباق الى الريادة ) وانما يتضمن دعوة الى البحث في القضية الفنية في القصيدة الجديدة ، التي جعلت من قصيدة السياب قصيدة متقدمة فنياً لتكتسب دور الريادة في حركة الشعر العربي الجديد . كما يتوجه (السؤال ) الى رصد عناصر التطور الفني المتحققة في هذه القصيدة ، بدون أن يتخطى الفكر التجديدي عند الشاعر ورؤياه الشعرية - التي ستلعب دورا مهما في بناء رؤيته التجديدية وموقفه ايضا في ما هو متحقق في قصيدته التي ستكون اساساً ومنطلقاً لشعر جديد كان له أن تبلور بقيمه الفنية والموضوعية في أعماله الشعرية المتوالية ، زمنا وتطوراً ما جعل النقد والبحث في قضايا الشعر الجديد يجد فيه شاعرا وشعرا ما يؤسس عليه رؤيته النقدية والبحثية الجديدة بأصولها ومفهوماتها التي اكدتها وبلورتها قصيدته .
وقد تأسست هذه القيمة الشعرية الجديدة عند السّياب على ثلاث ركائز اساسية تتصل الاولى منها / وتصدر عن موهبة شعرية عالية انتجت وبلورت تكوينه الفني شعريا بما حدد - وهذا ثانيا - نظرته الى العالم التي تكونت وقدمت صياغاتها الشعرية في مرحلة مهمة من مراحل التاريخ العربي شد فيها المجتمع العربي تحولات كبيرة وخطيرة (تصاعد حركات التحرر العربي ) وتبلور مفهومات الثقافة العربية الجديدة القائمة على أسس تاريخية ذات بعد قومي وقيام الثورات التي انتقلت بالمجتمع العربي من طور الى آخر مغاير … الخ ) وعرفت الثقافة العربية بآدابها وفنونها من أسباب التطور ما كان كفيلاً بنلها الى مستوى جديد ومتطور ماانعكس - وهذا هو العنصر الثالث- على ثقافة الشاعر العربي الجديد هذه الثقافة التي انفتحت على معطيات عصر جديد ، في الوقت الذي اتصلت فيه اتصال خلق وابداع بالتراث العربي في نبعيه : الشعري ، والميثولوجي - الذي سيشكل بعداً حيا من أبعاد القصيدة الجديدة ، وقصيدة السياب على وجه الخصوص .
فاذا ما نظرنا من خلال هذا المتحقق الى تاريخية التطور الشعري للشاعر ، بين تجاربه الأولى في مجموعتيه الأوليين (أزهار ذابلة 1947 وأساطير 1950 ) اللتين انبتنا ، شعرياً وفنياً ، على تجارب ذات بعد رومانسي وبحس ووعي رومانسيين ، وبين قصائد ديوانه الكبير والمهم “ انشودة المطر “ 1951 -1960 “ سنجد ان هناك طفرة نوعية متحققة في قصائد هذا العمل ، وقد اخذت صيغة من صيغ التوالي الزمني في عملية التطور هذه ليس فنيا حسب ، وانما في رؤية العالم ، وفــــــــي الموقــــــــف (الذي وقفه انسانه ) في هذا العالم ، ومن قضاياه ، التي سيهمه منها بدرجة اساس ، قضايا أمته العربية ، والمخاض القومي الجديد لانسانها .. فضلا عن القيمة الشعرية الجديدة ، والكبيرة المتحققة من خلال ذلك .. هذه القيمة المتأتية عنده من مصدرين : ذاتي وثقافي - تكويني كان له الدور الأساس في بناء هذه الذات على النحو الذي انبنت عليه . فهو كما يتبدى من عديد القصائد التي تنتمي الى مراحل مختلفة من حياته الشعرية ، كان يتمثل ابداعيا وكأنه روح لا محدودة ، رؤية وطاقات خلق .. وانه كان يدرك العالم برؤيته / رؤياه اكثر من ادراكه بعقله ، وكان في هذا مأخوذاً بهاجس الاكتشاف لذلك كانت ايقاعات الميلاد والبعث والتجدد من خلال عملية الخلق ، اكبر واعلى عنده وأعمق اثراً من اية ايقاعات اخرى بما في ذلك “ ايقاع الموت “ الذي صار في المرحلة الاخيرة من حياته يطرق عليه الباب ، وبقوة .
لو قابلنا هنا بين مفردات “ المعجم الشعري “ السيابي في مرحلتيه الأخيرتين ( التموزية ، ومرحلة العودة الى جيكور ، فالمرض ) سنقف على عمق حركة النفس / الذات في قصائد كل من المرحلتين ، والاتجاه / التوجه الذي اتخذه في كل منهما من خلال التشديد على مفردات بذاتها وان كانت ذات معان ودلالات كبيرة :
ففي المرحلة التموزية تواجهنا كلمات مثل : الخصب ، النماء ، الانتصار ، المطر ، الزهر ، الشمس ، النهر ، النهار ، الأغاني ، البعث .. وسواها مما ينفتح القول الشعري عنده فيها على أفق مفتوح ، لنجدها كلمات مشحونة بطاقة رمزية عالية مستمدة الأصول من روح متطلعة الى غد من الآمال الكبيرة ، ترفدها رموز أسطورية وأخرى تاريخية بمثل هذه الدلالات الحيوية التي جعلت للتعبير الشعري عنده مستواه المرتبط بالفعل الخلاق - أو ما هو منه - حيث الرؤيا التي تحمل بناءاتها الموضوعية معاني التجدد ، ودلالات هذا التجدد في مستوى الواقع .
أما المرحلة الأخيرة فنجدها تنطوي على رموز الذكرى وكل ما له علاقة بالاستعادة والتذكر بما جعل الحاضر مفرغاً من تلك الدلالات والمعاني الكبيرة التي انفتحت عليها قصائده التموزية .
الا أن هناك “ جوهراً “ لقصيدة السياب ظل قائما في كل ما كتب وهو أن القصيدة التي تبدأ في العادة من حالة او موقف ومن رؤية زمانية كانت أم مكانية نجدها تكبر بصورها المشهدية فضلا عن معانيها بما حقق ( التعبير ) المتميز عن الفكرة أو التجربة ، متزامنا مع “ تمثيلاها “ اي انه جعل القصيد ، قصيدته ، متحققة شعرياً من خلال وعيها لذاتها فناً مبدعاً .
لقد كانت روح العصر الذي عاشه السياب الشاعر ، وكتب فيه ما كتب عصرا متمرد الروح ، تقدمي النزعة والتوجه ، ثوري الفعل والارادة .. كان له أن انعكس عنده شعريا في مستويين : مستوى الموقف الشعري ومستوى المعطى الشعري وكانت عملية التقدم بهذا كله من قبله شاعرا قد تمت على أسس واضحة.
وتأسيساً على هذا جاء شعر السّياب ليمثل الحدث الابداعي الحقيقي لذلك العصر وكان في تجديده ، وفي المعطيات المتحققة من قبله من خلال هذا التجديد / وبه ، التعبير الأشمل ، والأكثر خصوصية عن “ روح الحرية” فهو الشاعر الذي عاش ما أسمته الأدبيات ذات المنظور السياسي “ عصر الثورة والتغيير “ الثورة التي كان الشعر الجديد أحد وجوهها الحيّة وبامتياز كما كان مبدأ التقّدم في وعي الحرية عند الشاعر أساساً في تكوين منظوره الشعري ، ومنطلقا له في بناء رؤيته / رؤياه الشعرية .
لقد كان شاعراً من غير اليسير أن يتكرر صوته في عصرنا

بارك الله فيك أستاذنا الكريم ،جعل الله ما تقدمه صدقة جارية ...

_________________


Admin
Admin
Admin

عدد المساهمات : 739
تاريخ التسجيل : 01/08/2008

http://lycee17.almountadayat.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى