(بدر شاكر السياب) شاعر عصر التجديد الشعري /الجزء الثالث

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

(بدر شاكر السياب) شاعر عصر التجديد الشعري /الجزء الثالث

مُساهمة  سيف أديب في السبت فبراير 18, 2012 10:54 pm

خامساً: ( أيوب) أو البحث عن الرمز الآخر
في قصائد مرحلة المرض لم يبق النهج الأسطوري للشاعر على ما كان عليه قبلها فاذا كان الموت قد مثل عنده تجلياً آخر للحياة ( من خلال الاسطورة التموزية ، على وجه الخصوص ) ، فانه في قصائد مرحلة المرض سيمثل بعداً لرؤيا العدم .. فقد انغلق أمامه ذلك الأفق الأسطوري الذي حمل البشارة بالتجدد والخصب .. فالحياة التي قدمت نفسها في صورة ( الموت - الفداء) ، التي تعود وتتجدد بعودة (الفادي ) الذي يظهر في تجلياته الأسطورية من خلال ولادة جديدة “ للحياة محملة بمعاني الخصب والنماء .. ستتحول في مرحلة المرض صوراً للموت الذي راح يقرع عليه أبواب الحلم والواقع ، ليغيب “ تموز “ من أفق هذه الرؤيا غياباً شبه تام .




وستعتمد عديد القصائد التي كتبها الشاعر في هذه المرحلة على “ المونولوج الداخلي “ الذي يعتمد ، بدوره ، على تداعي الافكار والخواطر ، والكلمات متواترة المعنى ، التي أصبحت ، بذاتها ، تشكل “ رموزا قائمة الدلالة وان في حياة الشاعر الخاصة كما نجد صوره الشعرية تأخذ امتدادات تشكلها المشهدي بين ذاته والأشياء (أماكن وجود ، وحالات إنسانية ، وما الى ذلك ..)، وسيحول الكثير من تجارب حياته الماضية الى ما يقترب به من تلك الاصول الاسطورية “ التي تشرب تأثيراتها . فكما كانت الاسطورة ، بعجائبية عالمها ، عماد قصيدته في المرحلة السابقة ، نجده في غير قليل من قصائد مرحلة المرض هذه يحول تجارب حياته الماضية ، بما فيها من وقائع و” رموز “ انسانية الطابع ، الى تشكيلات وبناءات رؤية . وستغلب على بعض منها روح الحكاية بطابعها العجائبي (الأسطوري) ، ونجد كل حكاية تنمو بذاتها ، ومن خلال شخوصها الذين جعل منهم “ أبطالاً “ ، وان بدوا مهزومين وقد نجد واحدة من هذه “ الحكايات “ تتحرك ، في قصيدة أخرى ، نحو حكاية أخرى ، وثالثة ، لتمثل خطوطاً متوازية من المواقف ، والعلاقات ، والأحلام ايضاً . غير أن هذه القصائد امتازت ، اكثر ما امتازت ، بضربة النهاية - الختام ، التي غالباً ما جاءت على ايقاع الخيبة ، والخسران ، أو انكسار الحلم ، فضلاً عما يداخلها من تجاذب بين اشباح الغائبين واصوات الموتى .
لقد سمى بعض النقاد مرحلة الشاعر هذه بـ( المرحلة الأيوبية )، لا لأن بعض قصائده اتخذت من “ عذابات أيوب” ( الذي نال الاثابة بنعمة الخلاص من طول معاناته وتقبله المحن ) عنواناً لها ورمزا دالاً على طبيعة معاناته تحت وطأة المرض حسب ، بل لانفتاح هذه القصائد على معاناة شاقة وجدت تمثيلها في هذا الرمز الذي سيغني أبعاده بالكشف عن عذاباته هو ، وقد واجهها بشيء من “ صبر أيوب “:
“ لك الحمد مهما استطال البلاء / ومهما استبد الألم
لك الحمد ، إن الرزايا عطاء / وان المصيبات بعضُ الكرم .
ألم تعطني أنت هذا الظلام / وأعطيتني أنت هذا السحر ؟
شهورٌ طوالٌ وهذي الجراح / تمزق جنبي مثل المدى
ولا يهدأ الداء ُ عند الصباح / ولا يمسح ُ الليل ٌ أوجاعَه بالردى “.
وكان هذا التوجه السكوني الدعاء ناجماً عن حرج الحالة التي يعيشها التي لخصها بقوله في احدى قصائده :
“ ممضُ ما أعاني : شل ظهر وانحنت ساقُ
على العكاز أسعى حين أسعى ، عاثر الخطوات مرتجفا ..”
وتبرز في قصائد مرحلة المرض هذه ظاهرتان ، تتمثل الأولى منهما في الزمن والوعي به ، بينما تمثل الثانية يقظة الذاكرة عنده .
فبالنسبة الى الزمن والوعي بمساره / حركته ، هناك وجهتان للشاعر فيه / ومعه : وجهة انسياب هذا الزمن بالحياة ذاتها الى النهاية ( حيث الموت الذي أصبح يقيناً ينتظر التحقق بالنسبة الى حياته )، وهناك الزمن المستعاد وتتمثل هذه الاستعادة بقدرة الذاكرة وما تحقق لها من دور في مجال الاستعادة هذه ، وبدوافع الالتفات الى الماضي ، وأبرزها : شلل الحاضر ( متمثلاً بمرضه )، وانسداد أفق المستقبل أمامه ( إذ لا حركة فيه إلا باتجاه النهاية التي يترقب ).
واذا كان مثل هذا الاحساس قد تشكل ، ونما وتطور بفعل واقع متعين في حالته الشخصية فان “ الرد “ عليه من قبله جاء بمزيد من الهرب الى الماضي - الذي وجد فيه اشباعاً لرغبة لم تشبع في الحياة عنده .
فهو يستعيده أولاً بلغة الحضور ، مشيداً منه بناءً ذاتياً تعويضياً : يواجه به هزيمة الحاضر ، ويعوض عن خسائره المتحققة فيه . لذلك نجده يتذكر بقوة ويتشبث بهذا الذي يتذكره فيستعيده بمتعة بالغة لا تلبث عن تبلغ “ وهمها “ فتركن الى تقرير ما ينتظرها من مصير ملأ الدرب اليه بتفاصيل قصص مؤثرة ، مسبغا على المكان فيها بعداً زمانياً واضحاً ، فاذا هو يثبت بقدر ما ينفي .. ولم يكن هذا كله سوى “ فعل “ من “ أفعال الذاكرة “ التي استقيظت عنده فاستعادت “ ازمنتها لنجدها مليئة أمام حاضر لم يترك له سوى الفراغ والخواء ..
فملأته بمعان عاودت ادراكها . وهذا هو ما يمثل يقظتها .إلا أنه بقي في ما كتب عن ذلك الماضي في منزلة بين منزلتين
فلا هو بالداخل الى ذلك الماضي دخول احتواء ، ولا هو بالواقف خارجه ، المطل عليه من زمن آخر . ولكنه قدّم ما يمثّل اعادة معرفة وتعرف ( وربما ما كان يريد للآخر - متلقيه أن يعرفه عنه ) .. ولم يكن في هذا الموقف حيادياً ، بل كان يحاكم ، ويصدر أحكاماً ، وقد يكتفي أحياناً بالادلاء بشهادة كما أن “ المكان “ هنا كان استدلالاً على حالة - كما هو في رؤيته لـ” جيكور “ :
“جنة كان الصبا فيها / وضاعت حين ضاع “
واذا اصبحت الذاكرة هنا هي المهيمن الأكبر على الرؤية / الرؤيا الشعرية عنده ، وقد فتحت أمامها قضاءً من نوع جديد ، فان تعبيره عن ذلك صار يتجاوز الحسي والمحسوس الى ما وراءهما ، ولم تعد “ العين “ هي ما يشخص الأشياء في نطاق المرئي ، بل أصبحت “ عين الرائي “ هي الفاعل الأكبر وان كان الماضي هو فضاء الرؤية . لذلك نجد ذلك الماضي كثيف الحضور في قصيدة هذه المرحلة :
شخصيات ، ووقائع ، وأحداثاً ، ورموزاً إنسانية .. كما اتصل الحلم فيها بالحقيقة الواقعة .
وكان دور الشاعر في هذا كلياً : فهو المحاور والمحاور ، السائل والمجيب ، وهو الرائي والمرئي ذاتاً .. وهو القريب في المكان ، البعيد في الزمان . لذلك فان “ القـــــــــصص “ و الحكايات “ التي تقف وراءها ، أو تشكل عماد التجربة فيها هي ليست ما وقع ، بأسبابه ومكوناته ، وانما هي شكل من أشكال القراءة ، وصيغة من صيغ التأويل ، عمادهما الوعي المتحقق لحظة الكتابة ، لا من تاريخ الحدوث .
وقد ظل في هذا الذي كتب في نطاق الحس والوجدان ، بعد أن كان قد تجاوز ذلك ، حدوداً ومقومات ، في قصائد مجموعته المهمة “ أنشودة المطر “ 1960 التي مثلت وعياً شعرياً متفوقاً بحركة كل من الواقع والتاريخ ، فضلاً عن كون الخطاب الشعري فيها قد تأسس على أبعاد فنية عالية ، لغة وبناءً وأساليب أداء وتعبير . فهو ، في قصائده الأخيرة ، ينتقل الى “ الوصف “ و” التعبير الوصفي “ ويعتمدهما أكثر من أي مبنى فني آخر ، من دون أن يجرد هذا قصيدته من قيمتها الشعرية .
فقد أصبح الماضي بمثابة “ نداء “ ، والكتابة عنه / ومن خلاله استجابة ، لم تكن واحدة ، ولانمطية .
ولكن ، هل نجد في هذا بعداً تاريخياً ، بمعنى ما من معاني التاريخ وأبعاده ؟
لو تابعنا مسيرة السياب الشعرية سنجدها مرتبطة بضروب من العلاقة التاريخية بالمكان اساساً وبكل ما ينتمي الى ذا المكان وان بصورة من صور الوجود والتواصل فاذا ما تجاوزنا غير قليل من صور هذه “ العلاقة - التواصل والامتداد “ التي تجلت في شعر البدايات وما تواصل معا ، وبدأنا البحث في ذ العلاقة من قصيدته “ غريب على الخليج “ 1953 سنجد العلاقة بالتاريخ تتأطر عند باطار الانتماء الى مكان (وطن ) يصنع طبيعته الزمانية (التاريخية ) ، وأن العلاقة بهما ، المكان والزمان نابعة من الشعور بالغربة ( في البلد الغريب ) ، والاحساس بالحنين الى وطن زرع الألفة في قلبه ، فاذا و يصارع الغربة بقوة الحنين في نفسهه وروحه الى بلده :-
“ وعلى الرمال ، على الخليج
جلس الغريبُ ، يسرح البصر المحير في الخليج
ويهّد أعمدة الضياء بما يصعّد من نشيج :
“ أعلى من العباب يهدر رغوه ومن الضجيج
صوت تفجّر في قرارة نفسي الثكلى : عراقْ
كالمدّ يصعدُ ، كالسحابةِ ، كالدموع إلى العيون
ألريحُ تصرخ بي : عراق ، والموجُ يعولُ بي : عراق ، عراق ليس سوى عراق!
البحرُ أوسعُ ما يكون وأنتَ أبعدُ ما تكونْ
والبحر دونك يا عراق ْ


ونجده في قصائد مرحلة المرض ينعطف الى “ تاريخية الذات “ في كلية علاقاتها بكل من الزمان ، والمكان ، والآخر . ويأتي “ التذكر “ الذي أقام عليه عديد القصائد في هذه المرحلة من حياته الشعرية ليكون من قبيل “ التذكّر التاريخي “.
وللذاكرة في قصيدة السّياب دورها ، فهي ليست ذاكرة حديثة - وقائعية حسب ، بل هي ذاكرة صورية أيضاً ..فهي في ما تستعيد إنما تستعيده بتفاصيل ، وصور ، ومشاهد تؤلف بنية متكاملة ، تنتظم في سياقات خاصة من الفكر والتفكير والرؤيا ، فضلاً عن أن هذه الذاكرة ، في ما لها من أسس حركية ، تقوم على ذلك التوازن المتحقق عنده بين الذات “ و” الوجود “ ، سواء كان مصدر تلك الحركة حلماً “ أو “ رؤيا تخييلية “ أو نجمت عن انجذاب نو قضية حياتية ، عادية أو ذات بعد مصيري . فهو لا يلغي “ الزمن المنقضي “ وانما يستحضره بالكثير من تفاصيله الحركية في طابعها الوجودي ، حتى لتبدو حالة الاستعادة هذه وكأنها ابتداء لوجود يتحقق ..فالماضي ، هنا يتقدم ، ولا يتراجع .
سادساً : أبعاد الصراع ووجوهه في قصيدة السّياب
قد لاتكون الدراسات التي كتبت في شعر السّياب ، والقراءات التي قدمت لهذا الشعر قد توقفت ، كما ينبغي ، عند رؤيته الإنسان مصيراً ، على كونها رؤية خلاقة انفتحت على كثير من عناصر التصوير الحي للوجود الانساني ، ولحركية هذا الوجود ، ما جعل الرؤيا الشعرية عنده تتخطى حدودهما الزمانية ، جاعلة من المكان ، بفضائه المفتوح ، فضاءً كونياً مضاءً برؤيا هذا الانسان - المعّبرة عن فعل مغيّر ، أو مرتبط بمعاني التغيير وأبعاده . وهو حين استنبع الأسطورة التموزية مثل هذه الرؤيا إنما كان يرمي من خلالها الى تعزيز اندفاع هذا الانسان على أرض مغامرته الوجودية التي هي ، في الآخر ، مغامرة انتصار ، كان بطله فيها هذا الانسان ذاته .
ولو عدنا الى قصائده التي انبنت على مثل هذه الرؤيا / الرؤيا لوجدناها تعتمد ، أولاً ، على استكشاف الشخصية - بطل التغيير ، كما هو الأمر في الأعمال الملحمية والروائية الكبيرة ، جاعلاً لما يستكشفه حركيته الدلالية .
وعملية الاستكشاف هذه لاتجري ، أو تتم في الواقع الخارجي وحده ، وانما في الداخل (النفس والذات ) أيضاً . لذلك فان هذه “ الشخصية “ في قصيدته ، بقدر ما تكون “ مركز الحدث “ فانها محور “ التحول “ بهذا الحدث ، فاذا هي عنصر تغيير ، واعادة تكوين بفعل ما لها من حركية الوجود . وهذا ما يذهب بنا الى القول : إنه خلق ( أو أعاد تكوين) غير شخصية من شخصياته الشعرية ، وأعطاها صورة من التكامل جديدة - هي ما كانت عليه في قصيدته .
وكما لم تكن هذه الشخصيات شخصيات نمطية ، أو عابرة وجود - حضور فان موقفها كما الموقف الذي عبر عنه من خلالها ، لم يكن واحداً فقد تكون سبيله الى نقد الواقع (كما في المومس العمياء ) او يجعل منها وسيلة رمزية لبلوغ فكرة وتأكيد موقف ( كما في “ المسيح بعد الصلب ) او نجده يتابع بناء وجود هذه الشخصية في ما يكون لها من تكوين ذاتي ونفسي ينعكس بدوره على وجودها الخاص - الشخصي كما على الوجود العام - المجتمعي (كما في المخبر “ و” حفار القبور “ ) وقد يرصد فعل التطور وتناميه في وجود الشخصية وما تقود اليه عملية تنامي الادراك عندها من تحول (كما في “ النهر والموت “).
واذا كنا نجد الشاعر يستدل الى “ شخصياته “ عبر الواقع الذي هي فيه / ومنه ، وبالرؤية التي يراها بها وجوداً وحركة وجود ، فان هذا هو ما يجعله يتعرف طريقها ، أو يعين الطريق الذي يريد لها أن تمشيه - بوصفه طريق مصير .
واذا كانت الأسطورة قد أتاحت له في مستوى شعري أن يضع الانسان والآلهة (الاسطورية ) في مصاف واحد ، وجوداً وقضية وجود فان هذا هو ماجعل بعض دارسي شعره يرون في المنحى الذي اتخذ “ ألهنة للانسان “ على حد تعبير كمال خير بك .. وقد جعل منهما رمزا حيويا ينطوي على بعد خلاق يعيد ترتيب الوجود ، ويحرك الانسان ، دورا في هذا الوجود . وهنا تبرز براعته الشعرية التي جعلت للكلمة / الجملة الشعرية قوة الفعل ، والقدرة على التجسيد ، وفاعلية الحركة المنتجة لزمنها الخاص ، ليتوازى عنده الخيال - وما هو متخيل ، والواقع - وما هو ذو بعد واقعي . لذلك نجد “ انسان “ الشاعر هذا ممتلئ الجوهر . حتى غدا موضوع الصراع هذا “ في الجوهر من كيانه كما يرى جبرا ابراهيم جبرا الذي يجد أن هذا الصراع “ هو الذي يفسر انتماءه السياسي في مطلع شبابه وهو الذ ي فسر خروجه فيما بعد على الانتماء السياسي ، كما يجد أن “ قصائده سجل مستمر لهذا الصراع : فهي في أوائلها صورة صراع الفرد المستضعف الذي ينتصر للجماعة المستضعف ضد أية قوة باغية ، وهي في أواسطها صورة صراع على صعيد أرحب وأشمل وأعمق : صراع قوى النماء مع قوى الضمور حيث ظواهر الطبيعة ترمز الى حياة الفرد وحياة الفرد هي حياة المدينة وقصائده في منتهاها صورة لصراع نفسه المستوحدة أخيرا مع الموت .
سابعاً : الشاعر والريادة الشعرية


سيف أديب
مشرف متميز
مشرف متميز

عدد المساهمات : 198
تاريخ التسجيل : 31/08/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: (بدر شاكر السياب) شاعر عصر التجديد الشعري /الجزء الثالث

مُساهمة  Admin في الأحد فبراير 19, 2012 1:33 pm

سيف أديب كتب:خامساً: ( أيوب) أو البحث عن الرمز الآخر
في قصائد مرحلة المرض لم يبق النهج الأسطوري للشاعر على ما كان عليه قبلها فاذا كان الموت قد مثل عنده تجلياً آخر للحياة ( من خلال الاسطورة التموزية ، على وجه الخصوص ) ، فانه في قصائد مرحلة المرض سيمثل بعداً لرؤيا العدم .. فقد انغلق أمامه ذلك الأفق الأسطوري الذي حمل البشارة بالتجدد والخصب .. فالحياة التي قدمت نفسها في صورة ( الموت - الفداء) ، التي تعود وتتجدد بعودة (الفادي ) الذي يظهر في تجلياته الأسطورية من خلال ولادة جديدة “ للحياة محملة بمعاني الخصب والنماء .. ستتحول في مرحلة المرض صوراً للموت الذي راح يقرع عليه أبواب الحلم والواقع ، ليغيب “ تموز “ من أفق هذه الرؤيا غياباً شبه تام .




وستعتمد عديد القصائد التي كتبها الشاعر في هذه المرحلة على “ المونولوج الداخلي “ الذي يعتمد ، بدوره ، على تداعي الافكار والخواطر ، والكلمات متواترة المعنى ، التي أصبحت ، بذاتها ، تشكل “ رموزا قائمة الدلالة وان في حياة الشاعر الخاصة كما نجد صوره الشعرية تأخذ امتدادات تشكلها المشهدي بين ذاته والأشياء (أماكن وجود ، وحالات إنسانية ، وما الى ذلك ..)، وسيحول الكثير من تجارب حياته الماضية الى ما يقترب به من تلك الاصول الاسطورية “ التي تشرب تأثيراتها . فكما كانت الاسطورة ، بعجائبية عالمها ، عماد قصيدته في المرحلة السابقة ، نجده في غير قليل من قصائد مرحلة المرض هذه يحول تجارب حياته الماضية ، بما فيها من وقائع و” رموز “ انسانية الطابع ، الى تشكيلات وبناءات رؤية . وستغلب على بعض منها روح الحكاية بطابعها العجائبي (الأسطوري) ، ونجد كل حكاية تنمو بذاتها ، ومن خلال شخوصها الذين جعل منهم “ أبطالاً “ ، وان بدوا مهزومين وقد نجد واحدة من هذه “ الحكايات “ تتحرك ، في قصيدة أخرى ، نحو حكاية أخرى ، وثالثة ، لتمثل خطوطاً متوازية من المواقف ، والعلاقات ، والأحلام ايضاً . غير أن هذه القصائد امتازت ، اكثر ما امتازت ، بضربة النهاية - الختام ، التي غالباً ما جاءت على ايقاع الخيبة ، والخسران ، أو انكسار الحلم ، فضلاً عما يداخلها من تجاذب بين اشباح الغائبين واصوات الموتى .
لقد سمى بعض النقاد مرحلة الشاعر هذه بـ( المرحلة الأيوبية )، لا لأن بعض قصائده اتخذت من “ عذابات أيوب” ( الذي نال الاثابة بنعمة الخلاص من طول معاناته وتقبله المحن ) عنواناً لها ورمزا دالاً على طبيعة معاناته تحت وطأة المرض حسب ، بل لانفتاح هذه القصائد على معاناة شاقة وجدت تمثيلها في هذا الرمز الذي سيغني أبعاده بالكشف عن عذاباته هو ، وقد واجهها بشيء من “ صبر أيوب “:
“ لك الحمد مهما استطال البلاء / ومهما استبد الألم
لك الحمد ، إن الرزايا عطاء / وان المصيبات بعضُ الكرم .
ألم تعطني أنت هذا الظلام / وأعطيتني أنت هذا السحر ؟
شهورٌ طوالٌ وهذي الجراح / تمزق جنبي مثل المدى
ولا يهدأ الداء ُ عند الصباح / ولا يمسح ُ الليل ٌ أوجاعَه بالردى “.
وكان هذا التوجه السكوني الدعاء ناجماً عن حرج الحالة التي يعيشها التي لخصها بقوله في احدى قصائده :
“ ممضُ ما أعاني : شل ظهر وانحنت ساقُ
على العكاز أسعى حين أسعى ، عاثر الخطوات مرتجفا ..”
وتبرز في قصائد مرحلة المرض هذه ظاهرتان ، تتمثل الأولى منهما في الزمن والوعي به ، بينما تمثل الثانية يقظة الذاكرة عنده .
فبالنسبة الى الزمن والوعي بمساره / حركته ، هناك وجهتان للشاعر فيه / ومعه : وجهة انسياب هذا الزمن بالحياة ذاتها الى النهاية ( حيث الموت الذي أصبح يقيناً ينتظر التحقق بالنسبة الى حياته )، وهناك الزمن المستعاد وتتمثل هذه الاستعادة بقدرة الذاكرة وما تحقق لها من دور في مجال الاستعادة هذه ، وبدوافع الالتفات الى الماضي ، وأبرزها : شلل الحاضر ( متمثلاً بمرضه )، وانسداد أفق المستقبل أمامه ( إذ لا حركة فيه إلا باتجاه النهاية التي يترقب ).
واذا كان مثل هذا الاحساس قد تشكل ، ونما وتطور بفعل واقع متعين في حالته الشخصية فان “ الرد “ عليه من قبله جاء بمزيد من الهرب الى الماضي - الذي وجد فيه اشباعاً لرغبة لم تشبع في الحياة عنده .
فهو يستعيده أولاً بلغة الحضور ، مشيداً منه بناءً ذاتياً تعويضياً : يواجه به هزيمة الحاضر ، ويعوض عن خسائره المتحققة فيه . لذلك نجده يتذكر بقوة ويتشبث بهذا الذي يتذكره فيستعيده بمتعة بالغة لا تلبث عن تبلغ “ وهمها “ فتركن الى تقرير ما ينتظرها من مصير ملأ الدرب اليه بتفاصيل قصص مؤثرة ، مسبغا على المكان فيها بعداً زمانياً واضحاً ، فاذا هو يثبت بقدر ما ينفي .. ولم يكن هذا كله سوى “ فعل “ من “ أفعال الذاكرة “ التي استقيظت عنده فاستعادت “ ازمنتها لنجدها مليئة أمام حاضر لم يترك له سوى الفراغ والخواء ..
فملأته بمعان عاودت ادراكها . وهذا هو ما يمثل يقظتها .إلا أنه بقي في ما كتب عن ذلك الماضي في منزلة بين منزلتين
فلا هو بالداخل الى ذلك الماضي دخول احتواء ، ولا هو بالواقف خارجه ، المطل عليه من زمن آخر . ولكنه قدّم ما يمثّل اعادة معرفة وتعرف ( وربما ما كان يريد للآخر - متلقيه أن يعرفه عنه ) .. ولم يكن في هذا الموقف حيادياً ، بل كان يحاكم ، ويصدر أحكاماً ، وقد يكتفي أحياناً بالادلاء بشهادة كما أن “ المكان “ هنا كان استدلالاً على حالة - كما هو في رؤيته لـ” جيكور “ :
“جنة كان الصبا فيها / وضاعت حين ضاع “
واذا اصبحت الذاكرة هنا هي المهيمن الأكبر على الرؤية / الرؤيا الشعرية عنده ، وقد فتحت أمامها قضاءً من نوع جديد ، فان تعبيره عن ذلك صار يتجاوز الحسي والمحسوس الى ما وراءهما ، ولم تعد “ العين “ هي ما يشخص الأشياء في نطاق المرئي ، بل أصبحت “ عين الرائي “ هي الفاعل الأكبر وان كان الماضي هو فضاء الرؤية . لذلك نجد ذلك الماضي كثيف الحضور في قصيدة هذه المرحلة :
شخصيات ، ووقائع ، وأحداثاً ، ورموزاً إنسانية .. كما اتصل الحلم فيها بالحقيقة الواقعة .
وكان دور الشاعر في هذا كلياً : فهو المحاور والمحاور ، السائل والمجيب ، وهو الرائي والمرئي ذاتاً .. وهو القريب في المكان ، البعيد في الزمان . لذلك فان “ القـــــــــصص “ و الحكايات “ التي تقف وراءها ، أو تشكل عماد التجربة فيها هي ليست ما وقع ، بأسبابه ومكوناته ، وانما هي شكل من أشكال القراءة ، وصيغة من صيغ التأويل ، عمادهما الوعي المتحقق لحظة الكتابة ، لا من تاريخ الحدوث .
وقد ظل في هذا الذي كتب في نطاق الحس والوجدان ، بعد أن كان قد تجاوز ذلك ، حدوداً ومقومات ، في قصائد مجموعته المهمة “ أنشودة المطر “ 1960 التي مثلت وعياً شعرياً متفوقاً بحركة كل من الواقع والتاريخ ، فضلاً عن كون الخطاب الشعري فيها قد تأسس على أبعاد فنية عالية ، لغة وبناءً وأساليب أداء وتعبير . فهو ، في قصائده الأخيرة ، ينتقل الى “ الوصف “ و” التعبير الوصفي “ ويعتمدهما أكثر من أي مبنى فني آخر ، من دون أن يجرد هذا قصيدته من قيمتها الشعرية .
فقد أصبح الماضي بمثابة “ نداء “ ، والكتابة عنه / ومن خلاله استجابة ، لم تكن واحدة ، ولانمطية .
ولكن ، هل نجد في هذا بعداً تاريخياً ، بمعنى ما من معاني التاريخ وأبعاده ؟
لو تابعنا مسيرة السياب الشعرية سنجدها مرتبطة بضروب من العلاقة التاريخية بالمكان اساساً وبكل ما ينتمي الى ذا المكان وان بصورة من صور الوجود والتواصل فاذا ما تجاوزنا غير قليل من صور هذه “ العلاقة - التواصل والامتداد “ التي تجلت في شعر البدايات وما تواصل معا ، وبدأنا البحث في ذ العلاقة من قصيدته “ غريب على الخليج “ 1953 سنجد العلاقة بالتاريخ تتأطر عند باطار الانتماء الى مكان (وطن ) يصنع طبيعته الزمانية (التاريخية ) ، وأن العلاقة بهما ، المكان والزمان نابعة من الشعور بالغربة ( في البلد الغريب ) ، والاحساس بالحنين الى وطن زرع الألفة في قلبه ، فاذا و يصارع الغربة بقوة الحنين في نفسهه وروحه الى بلده :-
“ وعلى الرمال ، على الخليج
جلس الغريبُ ، يسرح البصر المحير في الخليج
ويهّد أعمدة الضياء بما يصعّد من نشيج :
“ أعلى من العباب يهدر رغوه ومن الضجيج
صوت تفجّر في قرارة نفسي الثكلى : عراقْ
كالمدّ يصعدُ ، كالسحابةِ ، كالدموع إلى العيون
ألريحُ تصرخ بي : عراق ، والموجُ يعولُ بي : عراق ، عراق ليس سوى عراق!
البحرُ أوسعُ ما يكون وأنتَ أبعدُ ما تكونْ
والبحر دونك يا عراق ْ


ونجده في قصائد مرحلة المرض ينعطف الى “ تاريخية الذات “ في كلية علاقاتها بكل من الزمان ، والمكان ، والآخر . ويأتي “ التذكر “ الذي أقام عليه عديد القصائد في هذه المرحلة من حياته الشعرية ليكون من قبيل “ التذكّر التاريخي “.
وللذاكرة في قصيدة السّياب دورها ، فهي ليست ذاكرة حديثة - وقائعية حسب ، بل هي ذاكرة صورية أيضاً ..فهي في ما تستعيد إنما تستعيده بتفاصيل ، وصور ، ومشاهد تؤلف بنية متكاملة ، تنتظم في سياقات خاصة من الفكر والتفكير والرؤيا ، فضلاً عن أن هذه الذاكرة ، في ما لها من أسس حركية ، تقوم على ذلك التوازن المتحقق عنده بين الذات “ و” الوجود “ ، سواء كان مصدر تلك الحركة حلماً “ أو “ رؤيا تخييلية “ أو نجمت عن انجذاب نو قضية حياتية ، عادية أو ذات بعد مصيري . فهو لا يلغي “ الزمن المنقضي “ وانما يستحضره بالكثير من تفاصيله الحركية في طابعها الوجودي ، حتى لتبدو حالة الاستعادة هذه وكأنها ابتداء لوجود يتحقق ..فالماضي ، هنا يتقدم ، ولا يتراجع .
سادساً : أبعاد الصراع ووجوهه في قصيدة السّياب
قد لاتكون الدراسات التي كتبت في شعر السّياب ، والقراءات التي قدمت لهذا الشعر قد توقفت ، كما ينبغي ، عند رؤيته الإنسان مصيراً ، على كونها رؤية خلاقة انفتحت على كثير من عناصر التصوير الحي للوجود الانساني ، ولحركية هذا الوجود ، ما جعل الرؤيا الشعرية عنده تتخطى حدودهما الزمانية ، جاعلة من المكان ، بفضائه المفتوح ، فضاءً كونياً مضاءً برؤيا هذا الانسان - المعّبرة عن فعل مغيّر ، أو مرتبط بمعاني التغيير وأبعاده . وهو حين استنبع الأسطورة التموزية مثل هذه الرؤيا إنما كان يرمي من خلالها الى تعزيز اندفاع هذا الانسان على أرض مغامرته الوجودية التي هي ، في الآخر ، مغامرة انتصار ، كان بطله فيها هذا الانسان ذاته .
ولو عدنا الى قصائده التي انبنت على مثل هذه الرؤيا / الرؤيا لوجدناها تعتمد ، أولاً ، على استكشاف الشخصية - بطل التغيير ، كما هو الأمر في الأعمال الملحمية والروائية الكبيرة ، جاعلاً لما يستكشفه حركيته الدلالية .
وعملية الاستكشاف هذه لاتجري ، أو تتم في الواقع الخارجي وحده ، وانما في الداخل (النفس والذات ) أيضاً . لذلك فان هذه “ الشخصية “ في قصيدته ، بقدر ما تكون “ مركز الحدث “ فانها محور “ التحول “ بهذا الحدث ، فاذا هي عنصر تغيير ، واعادة تكوين بفعل ما لها من حركية الوجود . وهذا ما يذهب بنا الى القول : إنه خلق ( أو أعاد تكوين) غير شخصية من شخصياته الشعرية ، وأعطاها صورة من التكامل جديدة - هي ما كانت عليه في قصيدته .
وكما لم تكن هذه الشخصيات شخصيات نمطية ، أو عابرة وجود - حضور فان موقفها كما الموقف الذي عبر عنه من خلالها ، لم يكن واحداً فقد تكون سبيله الى نقد الواقع (كما في المومس العمياء ) او يجعل منها وسيلة رمزية لبلوغ فكرة وتأكيد موقف ( كما في “ المسيح بعد الصلب ) او نجده يتابع بناء وجود هذه الشخصية في ما يكون لها من تكوين ذاتي ونفسي ينعكس بدوره على وجودها الخاص - الشخصي كما على الوجود العام - المجتمعي (كما في المخبر “ و” حفار القبور “ ) وقد يرصد فعل التطور وتناميه في وجود الشخصية وما تقود اليه عملية تنامي الادراك عندها من تحول (كما في “ النهر والموت “).
واذا كنا نجد الشاعر يستدل الى “ شخصياته “ عبر الواقع الذي هي فيه / ومنه ، وبالرؤية التي يراها بها وجوداً وحركة وجود ، فان هذا هو ما يجعله يتعرف طريقها ، أو يعين الطريق الذي يريد لها أن تمشيه - بوصفه طريق مصير .
واذا كانت الأسطورة قد أتاحت له في مستوى شعري أن يضع الانسان والآلهة (الاسطورية ) في مصاف واحد ، وجوداً وقضية وجود فان هذا هو ماجعل بعض دارسي شعره يرون في المنحى الذي اتخذ “ ألهنة للانسان “ على حد تعبير كمال خير بك .. وقد جعل منهما رمزا حيويا ينطوي على بعد خلاق يعيد ترتيب الوجود ، ويحرك الانسان ، دورا في هذا الوجود . وهنا تبرز براعته الشعرية التي جعلت للكلمة / الجملة الشعرية قوة الفعل ، والقدرة على التجسيد ، وفاعلية الحركة المنتجة لزمنها الخاص ، ليتوازى عنده الخيال - وما هو متخيل ، والواقع - وما هو ذو بعد واقعي . لذلك نجد “ انسان “ الشاعر هذا ممتلئ الجوهر . حتى غدا موضوع الصراع هذا “ في الجوهر من كيانه كما يرى جبرا ابراهيم جبرا الذي يجد أن هذا الصراع “ هو الذي يفسر انتماءه السياسي في مطلع شبابه وهو الذ ي فسر خروجه فيما بعد على الانتماء السياسي ، كما يجد أن “ قصائده سجل مستمر لهذا الصراع : فهي في أوائلها صورة صراع الفرد المستضعف الذي ينتصر للجماعة المستضعف ضد أية قوة باغية ، وهي في أواسطها صورة صراع على صعيد أرحب وأشمل وأعمق : صراع قوى النماء مع قوى الضمور حيث ظواهر الطبيعة ترمز الى حياة الفرد وحياة الفرد هي حياة المدينة وقصائده في منتهاها صورة لصراع نفسه المستوحدة أخيرا مع الموت .
سابعاً : الشاعر والريادة الشعرية


بارك الله فيك أستاذنا الكريم ،جعل الله ما تقدمه صدقة جارية ...

_________________


Admin
Admin
Admin

عدد المساهمات : 739
تاريخ التسجيل : 01/08/2008

http://lycee17.almountadayat.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى