بدر شاكر السياب) شاعر عصر التجديد الشعري / الجزء الثاني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

بدر شاكر السياب) شاعر عصر التجديد الشعري / الجزء الثاني

مُساهمة  سيف أديب في السبت فبراير 18, 2012 10:50 pm

ونجد في قصائد ديوانه الاكبر اهمية بين اعماله الشعرية " انشودة المطر " نظرة جديدة الى الكون والانسان والتاريخ تتأطر بمفهوم الصراع ومعاني البطولة فهو صانع هذا التاريخ (كما في قصيدة في المغرب العربي ) وهو المدافع عن تاريخية هذا التاريخ وحقيقة الوجود الذي يمثله ( كما في قصيدة " المسيح بعد الصلب).



واذا كان هناك من جانب مهم في علاقة السياب شاعرا بالاسطورة فهو في انه احيا الروح / الموقف الانساني فيها ، فاعاد هيكلتها اذا جاز التعبير فانسنها ونقلها ( بل لنقل : حوّلها ) من منحاها الميثولوجي الى منحى اخر له ابعاده الانسانية والوجودية ، فاذا الرمز فيها ينفتح عن كشوف مذهلة تتمثل في ارادة الانسان في الواقع اذا ما وظف هذه الارادة توظيفا ايجابيا وكان السياب في هذا قد امتلك تجربة فريدة في الشعر العربي هي :
تجربة التنويع المعاصر على الاسطورة التي بعث فيها روحا جديدة هي روح الانسان الخارج من تاريخه ليعيد بناء هذا التاريخ وبلغة الانتصار لا الانكسار وفي هذا كان ان مضى في تكريس تجربة ورؤيا غير مألوفتين في شعر عصره جاعلا من ذلك سبيله الى اكتشاف " اسطورته " التي ستكون عناصرها المكّون نابعة من بيئته ومن تراثها فقد اوجد في حقبة لاحقة رموزا موازية ذات دلالة كونية - وجودية لتلك الرموز الاسطورية صانعا منها دلالات كبرى لعالم جديد وان لم يكن شيئاً آخر سوى " عالمه البدئي " فاذا " جيكور " القرية الصغيرة التي ولد فيها وعاش حياته الاولى تتبدى في قصيدته هي ليست باصغر من اية مدينة بناها الخيال الاسطوري - في اصوله الميثولوجية وكذلك نهرها " الويب " ومن ثم " منزل الاقنان " فيها او" شباك وفيقة " وما هنالك من رموز انسانية بدت رموزا كبرى وان كانت مستمدة من وجود شاخص للعيان لقد اوجد لـ " اسطورته " هذه شعرياًً ما توازي به اساطير العالم القديم في ما تحمل من عناصر الدهشة وروح الاكتشاف .
غير ان الانكسار الاكبر في هذه الرؤية / الرؤيا كان ان وقع يوم وجد المدينة التي حمل مشروعه الكبير هذا اليها تخذله وتلتف على حلمه لتغتاله ولم يجد امامه الا ان يقابلها بقسوة العبارة وقوة الموقف الرافض مظهرا اياها باكثر الصور قسوة على واقعها كما في قصيدته “جيكور والمدينة ":
وتلتف حولي دروب المدينة :
حبالاً من الطين يمضغن قلبي / ويعطين ، عن جمرة فيه طينه!
حبالاً من النار يجلدن عري الحقول الحزينة ويحرقن جيكور في قاع روحي / ويزرعن فيها رماد الضغية فتكون العودة الى جيور حيث يمد الكرى طريقا له اليها :
((من القلب يمتد / عبر الدهاليز/ عبر الدجى / والقلاع الحصينة))
محولاً الامل والرجاء والافتتنان بالمدينة وعالمها الى سخط عليها وعزوف عنها ومفارقة .
وسيأخذ التعبير الشعري عن حالة الانكسار هذه صورة تراجيدية تكتظ بكلمات التفجع والرثاء ، وان لم تفقد الامل والرجاء في انتصار الحياة على الموت ، وحلول مواسم الخصب التي يطلعها المطر :
أواه لو يفيق / إلهنا الفتّي ، لو يبرعم الحقول لو ينشر البيادر الخضار في السهول لو ينتضي الحسام ، لو يفجرُ
الرعود والبروق والمطر / ويطلق السيول من يديه ! / أواهّ لو يؤوب !
بعد أن وجد " جيكور من دونها قام سورٌ / وبوابة ٌ / واحتوتها سكينهْ ". ليتساءل تساؤل بحث ، عن المنقذ لا تساؤل حيرة وتردد:
" فمن يخرق السور ؟ من يفتح الباب ؟ يُدمي على كل قفلٍ يمنيه ؟
ومن هناك ستكون العودة الى جيكور .
رابعاً : العودة الى جيكور - أو الأسطورة الأخرى
لم تكن الميثولوجيا الرافدينية ، بما انحدر عنها من أساطير ورموز أسطورية باهرة لتحدّ من بحث السياب الشعري بل سيكون ما اكتشفه في هذه الميثولوجيا دافعا ومحركا للبحث عما يوازي أساطيرها ويرتفع رمزاً الىمصاف رموزها فيتماهى معها معنى ودلالة .
وستكون قريته (جيكور ) ومعالم حضورها وجوداً (منزل الأقنان ، ودار الجد وشباك وفيقة ) ، ومن ثم مجاليها الطبيعية (بويب ، نهرها ، وبساتين النخيل ) ، وكذلك أناسها الذين سنعرف منهم بعض الأسماء فاذا هي بهذا كله تواجه المدينة التي وجد دروبها تلتف حوله وتحاصره واصفاً اياها بأسوأ الصور واكثرها تمثيلا للغدر ، وتعبيرا عن عالم محتشد بشتى التناقضات .
وستتحول " جيكور " هذه الى " كون اسطوري " آخر - بديل يستمد منه رموزه ومعانيه الدالة فتكون كونه الشعري الجديد فهي على الرغم من وجودها واقعا وتعينها مكاناً ستنفرد في قصيدته بكثير من روح الاسطورة مقتربا بها من مصاف " الميثولوجيات العليا " بحكم ما منحها من غنى تصوري وماحمل رؤيته لها من معان ودلالات .
فنحن لا نجد جيكور " التاريخية " ولا " بويب " نهرها المتعين وجودا ومسارا في ارضها بل نجد معنى اخر يتحرك من خلال / وبفعل رؤيا شعرية عابرة لكل تعيين وتعيّن ، زمانيا كان او مكانيا ً :
" جيكور ، جيكور : أين الخبز والماءُ؟/ الليل وافى وقد نام الأدلاء!
والركب سهران من جوع ومن عطش / والريح صر ، وكل الأفق أصداء .
بيداءُ ما في مداها ما يبين به/ دربٌ لنا ، وسماء الليل عمياء ُ .
جيكور مدّي باباً فندخله/ وسامرينا بنجمٍ فيه أضواءُ " .
وبين العودة - الحلم والعودة الفعلية الى جيكور يتشكل عالمان في قصيدة السّياب التي تندرج في سياق العودة هذا : عالم الأمل والرجاء لهارب من المدينة قاتلة " تموز " التي وجدها تحولت الى " مبغى كبير " وعالم الحقيقة الذي أسقطه في الحزن معه . فبينما نجده في قصائده الجيكورية الاولى مفعماً بالحنين والشوق والامل ، نجده في الثانية (التي ستتزامن مع مرضه ) يكتب عنها بلغة الرثاء لأيامها التي لم يجد منها شيئاً على أرض الواقع ، متنقلا برؤياه الشعرية من عالم كلي التكوين الى عالم طافح بالأزان ، يتشظى ذكريات لا أكثر .....
سينساق وراءها ، وسيعتمد تلك الذكريات في اعادة بنائها في خياله ، محاولا استحضارها وعيا زمانيا بالمكان .. فكانت كما استحضرها ، وليدة نضج في الرؤية والموقف كما كانت عامل قوة في التعبير الشعري لديه اذ أصبح ما يأتيه منها يفعمه بالحنين الى الماضي كله ، فحول الكثير منه من نطاق الذكرى الى واقع الادراك فاذا هو يعبر من خلاله عن حرارة نفس عامرة بالذكريات .
وبمقاربة نقدية - تحليلية لسيرته، كما تتبدى من واقع شعره، نجد أن ما كان (واقعا) لم يكن بعيداً عن مكوّن رؤيته الشعرية، كما أن رؤيته الشعرية هذه لم تكن لتتم، كلحظة إبداعية في تدوينها الخاص، بعيداً عن حالة الاتصال بالواقع والتفاعل معه. ولعل أبرز ما يتجلى في هذه القصيدة من (معالم سيرية) ما يتمثل من امتلاك حضور (الذات) و (الآخر) بوصفهما قوتين من قوى (الذات الشاعرة) في تدوين هذا البعد السيري:
(ثلاثون انقضت، وكبرت، كم حب وكم وجد
توهج في فؤادي، غير أني كلما صفقت يدا الرعد
مددت الطرف أرقب، ربما ائتلق الشناشيل
فأبصرت ابنة الجلبي مقبلة الى وعدي).
وانطلاقاً من هذا، وتأسيساً عليه، نجد الشاعر يحول احكامه الناقدة (ولا اقول النقدية) الى مجال الممارسة الشعرية، لنجد (الآخر) و (موقفه) و (الموقف منه) المحرك لفاعلية الذات الشعرية عنده. أما الاسباب والدوافع الى ذلك فغالباً ما تكون متقاربة، إن لم نقل انها واحدة . ونجد في هذا " المسار السيري " ان " الاخر " لا الشاعر ، هو سبب الخطأ ، ومرتكب فعله ، ليدينه بكلمات مجافية وعبارات بالغة القسوة - كما في قصيدته " أحبيني " :
" وما من عادتي نكرانُ ماضي الذي كانا !
ولكن ْ .. كل من أحببت قبلك ما أحبوني ولا عطفوا عليَ عشقتُ سبعاً كن أحيانا ترف شعورهن علي ، تحملني الى الصين (..)
وأجلسهن في شرف الخيال .. وتكشف الحرقُ
ظلالاً عن ملامحن :آه فتلك باعتني بمأفون
لأجل المال ، ثم صحا فطلقها وخلاّها .
( ...) وتلك ؟ وتلك شاعرتي التي كانت لي الدنيا وما فيها
شربت الشعر من أحداقها ونعست في أفياء
تنشرها قصائدها عليّ: فكل ماضيها وكل ّ شبابها كان انتظاراتً لي على شط ّ يهوم فوقه ُ القمرُ
وتنعس في حماه الطيرُ رشّ نعاسها المطرُ(..)
وغيبها ظلامُ السجن تؤنس ليلها شمعه فتذكرني وتبكي . غير أني لستُ أبكيها …
فهل كانت حياته متشكلة على " وعي الادانة للأخر " الذي تعده " مصدر الخطأ " وسببه ؟ إن هذا واضح في شعره الأخير وان كنا نجد الاصول الاولى له في بداياته الشعرية العاطفية منها على وجه التحديد (كما في قصيدة " اللعنات " وسواها من قصائد أخرى في ديوانيه " أزهار ذابلة " ," أساطير).
وفي هذا غالباً ما كان يصدر عن وعي أخلاقي يقوم على "تنزيه الذات " ذاته وعلى ادانة الآخر وأخذه بما يرى له من جرائر ، كما ستبدو لغة المرارة فيها كثيفة وان كانت في غالب الحالات محصورة بالمرأة : حبيبة مجافية أو ناكثة عهد ووعد ، فكان هجاؤه الأكبر لها آخذاً نساء حبه بالنتائج : نتائج حبه لهن ، مستلهما الموقف بنبرة ثأرية متشفية بما آلت اليه كل واحدة منهن من حياة لم تكن ترجوها لنفسها .
لقد بدأ السياب في قصائد مرحلة المرض هذه كمن يقوم بعملية مراجعة لتاريخه الشخصي ، مخضعا هذا التاريخ لقراءة استبطانية - نقدية .. كما بدت " سيرته الشخصية " فيها ، شأنها شأن كل سيرة من القبيل ، قيد الامتلاك من قبله ، متمثلا ً إياها ، بكل ما انطوت عليه من تفاصيل وما كان لها عليه من ارتدادات ، بمسؤولية هي مسؤولية المتبني لشخصه بأخطائه كلها - وان أصبح التفكر بالذات فيها فوق كل رؤية وموقف عنده .
غير أن السؤال هنا هو : هل كانت قصائده هذه تعبيرا عن شعور بالمأساة التي عاش وعانى تداعياتها أم انه كان يواجه الموت بما يمكن أن نعده تمجيدا للحياة - في ما كان ينتمي الى الماضي ، ماضيه ، من تلك الحياة ؟

سيف أديب
مشرف متميز
مشرف متميز

عدد المساهمات : 198
تاريخ التسجيل : 31/08/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: بدر شاكر السياب) شاعر عصر التجديد الشعري / الجزء الثاني

مُساهمة  Admin في الأحد فبراير 19, 2012 1:34 pm

سيف أديب كتب:ونجد في قصائد ديوانه الاكبر اهمية بين اعماله الشعرية " انشودة المطر " نظرة جديدة الى الكون والانسان والتاريخ تتأطر بمفهوم الصراع ومعاني البطولة فهو صانع هذا التاريخ (كما في قصيدة في المغرب العربي ) وهو المدافع عن تاريخية هذا التاريخ وحقيقة الوجود الذي يمثله ( كما في قصيدة " المسيح بعد الصلب).



واذا كان هناك من جانب مهم في علاقة السياب شاعرا بالاسطورة فهو في انه احيا الروح / الموقف الانساني فيها ، فاعاد هيكلتها اذا جاز التعبير فانسنها ونقلها ( بل لنقل : حوّلها ) من منحاها الميثولوجي الى منحى اخر له ابعاده الانسانية والوجودية ، فاذا الرمز فيها ينفتح عن كشوف مذهلة تتمثل في ارادة الانسان في الواقع اذا ما وظف هذه الارادة توظيفا ايجابيا وكان السياب في هذا قد امتلك تجربة فريدة في الشعر العربي هي :
تجربة التنويع المعاصر على الاسطورة التي بعث فيها روحا جديدة هي روح الانسان الخارج من تاريخه ليعيد بناء هذا التاريخ وبلغة الانتصار لا الانكسار وفي هذا كان ان مضى في تكريس تجربة ورؤيا غير مألوفتين في شعر عصره جاعلا من ذلك سبيله الى اكتشاف " اسطورته " التي ستكون عناصرها المكّون نابعة من بيئته ومن تراثها فقد اوجد في حقبة لاحقة رموزا موازية ذات دلالة كونية - وجودية لتلك الرموز الاسطورية صانعا منها دلالات كبرى لعالم جديد وان لم يكن شيئاً آخر سوى " عالمه البدئي " فاذا " جيكور " القرية الصغيرة التي ولد فيها وعاش حياته الاولى تتبدى في قصيدته هي ليست باصغر من اية مدينة بناها الخيال الاسطوري - في اصوله الميثولوجية وكذلك نهرها " الويب " ومن ثم " منزل الاقنان " فيها او" شباك وفيقة " وما هنالك من رموز انسانية بدت رموزا كبرى وان كانت مستمدة من وجود شاخص للعيان لقد اوجد لـ " اسطورته " هذه شعرياًً ما توازي به اساطير العالم القديم في ما تحمل من عناصر الدهشة وروح الاكتشاف .
غير ان الانكسار الاكبر في هذه الرؤية / الرؤيا كان ان وقع يوم وجد المدينة التي حمل مشروعه الكبير هذا اليها تخذله وتلتف على حلمه لتغتاله ولم يجد امامه الا ان يقابلها بقسوة العبارة وقوة الموقف الرافض مظهرا اياها باكثر الصور قسوة على واقعها كما في قصيدته “جيكور والمدينة ":
وتلتف حولي دروب المدينة :
حبالاً من الطين يمضغن قلبي / ويعطين ، عن جمرة فيه طينه!
حبالاً من النار يجلدن عري الحقول الحزينة ويحرقن جيكور في قاع روحي / ويزرعن فيها رماد الضغية فتكون العودة الى جيور حيث يمد الكرى طريقا له اليها :
((من القلب يمتد / عبر الدهاليز/ عبر الدجى / والقلاع الحصينة))
محولاً الامل والرجاء والافتتنان بالمدينة وعالمها الى سخط عليها وعزوف عنها ومفارقة .
وسيأخذ التعبير الشعري عن حالة الانكسار هذه صورة تراجيدية تكتظ بكلمات التفجع والرثاء ، وان لم تفقد الامل والرجاء في انتصار الحياة على الموت ، وحلول مواسم الخصب التي يطلعها المطر :
أواه لو يفيق / إلهنا الفتّي ، لو يبرعم الحقول لو ينشر البيادر الخضار في السهول لو ينتضي الحسام ، لو يفجرُ
الرعود والبروق والمطر / ويطلق السيول من يديه ! / أواهّ لو يؤوب !
بعد أن وجد " جيكور من دونها قام سورٌ / وبوابة ٌ / واحتوتها سكينهْ ". ليتساءل تساؤل بحث ، عن المنقذ لا تساؤل حيرة وتردد:
" فمن يخرق السور ؟ من يفتح الباب ؟ يُدمي على كل قفلٍ يمنيه ؟
ومن هناك ستكون العودة الى جيكور .
رابعاً : العودة الى جيكور - أو الأسطورة الأخرى
لم تكن الميثولوجيا الرافدينية ، بما انحدر عنها من أساطير ورموز أسطورية باهرة لتحدّ من بحث السياب الشعري بل سيكون ما اكتشفه في هذه الميثولوجيا دافعا ومحركا للبحث عما يوازي أساطيرها ويرتفع رمزاً الىمصاف رموزها فيتماهى معها معنى ودلالة .
وستكون قريته (جيكور ) ومعالم حضورها وجوداً (منزل الأقنان ، ودار الجد وشباك وفيقة ) ، ومن ثم مجاليها الطبيعية (بويب ، نهرها ، وبساتين النخيل ) ، وكذلك أناسها الذين سنعرف منهم بعض الأسماء فاذا هي بهذا كله تواجه المدينة التي وجد دروبها تلتف حوله وتحاصره واصفاً اياها بأسوأ الصور واكثرها تمثيلا للغدر ، وتعبيرا عن عالم محتشد بشتى التناقضات .
وستتحول " جيكور " هذه الى " كون اسطوري " آخر - بديل يستمد منه رموزه ومعانيه الدالة فتكون كونه الشعري الجديد فهي على الرغم من وجودها واقعا وتعينها مكاناً ستنفرد في قصيدته بكثير من روح الاسطورة مقتربا بها من مصاف " الميثولوجيات العليا " بحكم ما منحها من غنى تصوري وماحمل رؤيته لها من معان ودلالات .
فنحن لا نجد جيكور " التاريخية " ولا " بويب " نهرها المتعين وجودا ومسارا في ارضها بل نجد معنى اخر يتحرك من خلال / وبفعل رؤيا شعرية عابرة لكل تعيين وتعيّن ، زمانيا كان او مكانيا ً :
" جيكور ، جيكور : أين الخبز والماءُ؟/ الليل وافى وقد نام الأدلاء!
والركب سهران من جوع ومن عطش / والريح صر ، وكل الأفق أصداء .
بيداءُ ما في مداها ما يبين به/ دربٌ لنا ، وسماء الليل عمياء ُ .
جيكور مدّي باباً فندخله/ وسامرينا بنجمٍ فيه أضواءُ " .
وبين العودة - الحلم والعودة الفعلية الى جيكور يتشكل عالمان في قصيدة السّياب التي تندرج في سياق العودة هذا : عالم الأمل والرجاء لهارب من المدينة قاتلة " تموز " التي وجدها تحولت الى " مبغى كبير " وعالم الحقيقة الذي أسقطه في الحزن معه . فبينما نجده في قصائده الجيكورية الاولى مفعماً بالحنين والشوق والامل ، نجده في الثانية (التي ستتزامن مع مرضه ) يكتب عنها بلغة الرثاء لأيامها التي لم يجد منها شيئاً على أرض الواقع ، متنقلا برؤياه الشعرية من عالم كلي التكوين الى عالم طافح بالأزان ، يتشظى ذكريات لا أكثر .....
سينساق وراءها ، وسيعتمد تلك الذكريات في اعادة بنائها في خياله ، محاولا استحضارها وعيا زمانيا بالمكان .. فكانت كما استحضرها ، وليدة نضج في الرؤية والموقف كما كانت عامل قوة في التعبير الشعري لديه اذ أصبح ما يأتيه منها يفعمه بالحنين الى الماضي كله ، فحول الكثير منه من نطاق الذكرى الى واقع الادراك فاذا هو يعبر من خلاله عن حرارة نفس عامرة بالذكريات .
وبمقاربة نقدية - تحليلية لسيرته، كما تتبدى من واقع شعره، نجد أن ما كان (واقعا) لم يكن بعيداً عن مكوّن رؤيته الشعرية، كما أن رؤيته الشعرية هذه لم تكن لتتم، كلحظة إبداعية في تدوينها الخاص، بعيداً عن حالة الاتصال بالواقع والتفاعل معه. ولعل أبرز ما يتجلى في هذه القصيدة من (معالم سيرية) ما يتمثل من امتلاك حضور (الذات) و (الآخر) بوصفهما قوتين من قوى (الذات الشاعرة) في تدوين هذا البعد السيري:
(ثلاثون انقضت، وكبرت، كم حب وكم وجد
توهج في فؤادي، غير أني كلما صفقت يدا الرعد
مددت الطرف أرقب، ربما ائتلق الشناشيل
فأبصرت ابنة الجلبي مقبلة الى وعدي).
وانطلاقاً من هذا، وتأسيساً عليه، نجد الشاعر يحول احكامه الناقدة (ولا اقول النقدية) الى مجال الممارسة الشعرية، لنجد (الآخر) و (موقفه) و (الموقف منه) المحرك لفاعلية الذات الشعرية عنده. أما الاسباب والدوافع الى ذلك فغالباً ما تكون متقاربة، إن لم نقل انها واحدة . ونجد في هذا " المسار السيري " ان " الاخر " لا الشاعر ، هو سبب الخطأ ، ومرتكب فعله ، ليدينه بكلمات مجافية وعبارات بالغة القسوة - كما في قصيدته " أحبيني " :
" وما من عادتي نكرانُ ماضي الذي كانا !
ولكن ْ .. كل من أحببت قبلك ما أحبوني ولا عطفوا عليَ عشقتُ سبعاً كن أحيانا ترف شعورهن علي ، تحملني الى الصين (..)
وأجلسهن في شرف الخيال .. وتكشف الحرقُ
ظلالاً عن ملامحن :آه فتلك باعتني بمأفون
لأجل المال ، ثم صحا فطلقها وخلاّها .
( ...) وتلك ؟ وتلك شاعرتي التي كانت لي الدنيا وما فيها
شربت الشعر من أحداقها ونعست في أفياء
تنشرها قصائدها عليّ: فكل ماضيها وكل ّ شبابها كان انتظاراتً لي على شط ّ يهوم فوقه ُ القمرُ
وتنعس في حماه الطيرُ رشّ نعاسها المطرُ(..)
وغيبها ظلامُ السجن تؤنس ليلها شمعه فتذكرني وتبكي . غير أني لستُ أبكيها …
فهل كانت حياته متشكلة على " وعي الادانة للأخر " الذي تعده " مصدر الخطأ " وسببه ؟ إن هذا واضح في شعره الأخير وان كنا نجد الاصول الاولى له في بداياته الشعرية العاطفية منها على وجه التحديد (كما في قصيدة " اللعنات " وسواها من قصائد أخرى في ديوانيه " أزهار ذابلة " ," أساطير).
وفي هذا غالباً ما كان يصدر عن وعي أخلاقي يقوم على "تنزيه الذات " ذاته وعلى ادانة الآخر وأخذه بما يرى له من جرائر ، كما ستبدو لغة المرارة فيها كثيفة وان كانت في غالب الحالات محصورة بالمرأة : حبيبة مجافية أو ناكثة عهد ووعد ، فكان هجاؤه الأكبر لها آخذاً نساء حبه بالنتائج : نتائج حبه لهن ، مستلهما الموقف بنبرة ثأرية متشفية بما آلت اليه كل واحدة منهن من حياة لم تكن ترجوها لنفسها .
لقد بدأ السياب في قصائد مرحلة المرض هذه كمن يقوم بعملية مراجعة لتاريخه الشخصي ، مخضعا هذا التاريخ لقراءة استبطانية - نقدية .. كما بدت " سيرته الشخصية " فيها ، شأنها شأن كل سيرة من القبيل ، قيد الامتلاك من قبله ، متمثلا ً إياها ، بكل ما انطوت عليه من تفاصيل وما كان لها عليه من ارتدادات ، بمسؤولية هي مسؤولية المتبني لشخصه بأخطائه كلها - وان أصبح التفكر بالذات فيها فوق كل رؤية وموقف عنده .
غير أن السؤال هنا هو : هل كانت قصائده هذه تعبيرا عن شعور بالمأساة التي عاش وعانى تداعياتها أم انه كان يواجه الموت بما يمكن أن نعده تمجيدا للحياة - في ما كان ينتمي الى الماضي ، ماضيه ، من تلك الحياة ؟

بارك الله فيك أستاذنا الكريم ،جعل الله ما تقدمه صدقة جارية ...

_________________


Admin
Admin
Admin

عدد المساهمات : 739
تاريخ التسجيل : 01/08/2008

http://lycee17.almountadayat.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى