شعر المديح النبوي في الأدب العربي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

شعر المديح النبوي في الأدب العربي

مُساهمة  سيف أديب في الإثنين أكتوبر 13, 2008 12:38 am

شعر المديح النبوي في الأدب العربي


كتابات - د.جميل حمداوي

1- مفهوم المديح النبوي:

المديح النبوي هو ذلك الشعر الذي ينصب على مدح النبي ( صلعم) بتعداد صفاته الخلقية والخلقية وإظهار الشوق لرؤيته وزيارة قبره والأماكن المقدسة التي ترتبط بحياة الرسول ( صلعم) ، مع ذكر معجزاته المادية والمعنوية ونظم سيرته شعرا والإشادة بغزواته وصفاته المثلى والصلاة عليه تقديرا وتعظيما.
وۥيظهر الشاعر المادح في هذا النوع من الشعر الديني تقصيره في أداء واجباته الدينية والدنيوية، ويذكر عيوبه وزلاته المشينة وكثرة ذنوبه في الدنيا، مناجيا الله بصدق وخوف مستعطفا إياه طالبا منه التوبة والمغفرة. وينتقل بعد ذلك إلى الرسول (ص) طامعا في وساطته وشفاعته يوم القيامة. وغالبا ما يتداخل المديح النبوي مع قصائد التصوف وقصائد المولد النبوي التي تسمى بالمولديات.
وتعرف المدائح النبوية كما يقول الدكتور زكي مبارك بأنها فن:" من فنون الشعر التي أذاعها التصوف، فهي لون من التعبير عن العواطف الدينية، وباب من الأدب الرفيع؛ لأنها لا تصدر إلا عن قلوب مفعمة بالصدق والإخلاص".
ومن المعهود أن هذا المدح النبوي الخالص لا يشبه ذلك المدح الذي كان يسمى بالمدح التكسبي أو مدح التملق الموجه إلى السلاطين والأمراء والوزراء، وإنما هذا المدح خاص بأفضل خلق ألا وهو محمد ( صلعم) ويتسم بالصدق والمحبة والوفاء والإخلاص والتضحية والانغماس في التجربة العرفانية والعشق الروحاني اللدني.

2- ظهــور المديح النبوي:

ظهر المديح النبوي في المشرق العربي مبكرا مع مولد الرسول (صلعم)،وأذيع بعد ذلك مع انطلاق الدعوة الإسلامية وشعر الفتوحات الإسلامية إلى أن ارتبط بالشعر الصوفي مع ابن الفارض والشريف الرضي. ولكن هذا المديح النبوي لم ينتعش ويزدهر ويترك بصماته إلا مع الشعراء المتأخرين وخاصة مع الشاعر البوصيري في القرن السابع الهجري الذي عارضه كثير من الشعراء الذين جايلوه أو جاؤا بعده. ولاننسى في هذا المضمار الشعراء المغاربة والأندلسيين الذين كان لهم باع كبير في المديح النبوي منذ الدولة المرينية.
وهناك اختلاف بين الباحثين حول نشأة المديح النبوي، فهناك من يقول بأنه إبداع شعري قديم ظهر في المشرق العربي مع الدعوة النبوية والفتوحات الإسلامية مع حسان بن ثابت وكعب بن مالك وكعب بن زهير وعبد الله بن رواحة.
وهناك من يذهب إلى أن هذا المديح فن مستحدث لم يظهر إلا في القرن السابع الهجري مع البوصيري وابن دقيق العيد.


2- مرجعيات المديح النبوي:

قبل التغلغل في أعماق شعر المديح النبوي لابد أن نستقرىء المرجعيات التناصية المباشرة وغير المباشرة التي شكلت رؤية شعراء هذا الفن وخاصة في القديم والحديث، ولا بد من تحديد المتناص أو المصادر الشعرية القديمة والحديثة التي اعتمد عليها الشعراء في نظم قصائدهم النبوية. فتبيان المعرفة الخلفية ضرورية لفهم النص الشعري قصد خلق انسجامه واتساقه، لأنه بمثابة آلية إستراتيجية في تحليل النص الأدبي وتفكيكه.
ويتضح بعد قراءة قصائد ودواوين المديح النبوي عبر تعاقبه التاريخي والفني أنه كان يستوحي مادته الإبداعية ورؤيته الإسلامية من القرآن الكريم أولا فالسنة النبوية الشريفة ثانيا. كما أن هناك مصدرا مهما في نسج قصائد المديح النبوي يتمثل في كتب التفسير التي فصلت حياة الرسول( صلعم) تفصيلا كبيرا كما يظهر ذلك جليا في تفسير ابن كثير على سبيل التمثيل، بله عن كتب السيرة التي تتمثل في مجموعة من الوثائق والمصنفات التي كتبت حول سيرة الرسول ( صلعم) سواء أكانت قديمة أم حديثة وأذكر على سبيل المثال: "السيرة النبوية" لابن هشام، وسيرة ابن اسحق و"الرحيق المختوم" لصفي الرحمن، و"السيرة النبوية"لأبي الحسن الندوي، و" السيرة النبوية" لابن حبان، و" الوفاء بأحوال المصطفى" لأبي الفرج عبد الرحمن الجوزي، و"الشفا بتعريف حقوق المصطفى" للقاضي عياض، و"فقه السيرة" لسعيد البوطي، و"فقه السيرة"لمحمد الغزالي ، و"السيرة النبوية" لمحمد متولي الشعراوي، و"المنهج الحركي للسيرة النبوية" لمنير محمد الغضبان، و"السيرة النبوية : دروس وعبر" للدكتور مصطفى السباعي، و"نور اليقين" للخضري بك، و" في السيرة النبوية: قراءة لجوانب الحذر والحماية" للدكتور إبراهيم علي محمد أحمد، و" ملخص السيرة النبوية" لمحمد هارون...

4- تطور المديح النبوي في الشعر العربي القديم:

أول ما ظهر من شعر المديح النبوي ما قاله عبد المطلب إبان ولادة محمد صلى الله عليه وسلم، إذ شبه ولادته بالنور والإشراق الوهاج الذي أنار الكون سعادة وحبورا، يقول عبد المطلب:

وأنت لما ولدت أشرقت
الأرض وضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفـــي
النور وسبل الرشاد نختــرق

وتعود أشعار المديح النبوي إلى بداية الدعوة الإسلامية مع قصيدة" طلع البدر علينا"، وقصائد شعراء الرسول ( صلعم) كحسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وكعب بن زهير صاحب اللامية المشهورة:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبـــول
متيم إثرها لم يفـــد مكبـــول

وقد استحقت هذه القصيدة المدحية المباركة أن تسمى بالبردة النبوية؛ لأن الرسول( صلعم) كسا صاحبها ببردة مطهرة تكريما لكعب بن زهير وتشجيعا للشعر الإسلامي الملتزم الذي ينافح عن الحق وينصر الإسلام وينشر الدين الرباني.
ونستحضر قصائد شعرية أخرى في هذا الباب كقصيدة الدالية للأعشى التي مطلعها:

ألم تغتمض عيناك ليلـــة أرمدا
وعاداك ماعاد السليم المسهدا


ومن أهم قصائد حسان بن ثابت في مدح النبي الكريم ( صلعم) عينيته المشهورة في الرد على خطيب قريش عطارد بن حاجب:

إن الذوائب من فهر وإخوتهم
قد بينوا سنة للنـــاس تـــــتبع


ولا ننسى همزيته المشهورة في تصوير بسالة المسلمين ومدح الرسول (صلعم) والإشادة بالمهاجرين والأنصار والتي مطلعها:

عفت ذات الأصابــــع فالجــواء
إلى عذراء منـــزلها خــــلاء


ومن أهم شعراء المديح النبوي في العصر الأموي الفرزدق ولاسيما في قصيدته الرائعة الميمية التي نوه فيها بآل البيت واستعرض سمو أخلاق النبي الكريم وفضائله الرائعة، ويقول في مطلع القصيدة:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته
والبيـت يعرفه والحل والحـرم



وقد ارتبط مدح النبي (صلعم ) بمدح أهل البيت وتعداد مناقب بني هاشم وأبناء فاطمة كما وجدنا ذلك عند الفرزدق والشاعر الشيعي الكميت الذي قال في بائيته:

طربت وما شوقا إلى البيض أطرب
ولا لعبا مني وذو الشوق يلعب


ويندرج ضمن هذا النوع من المدح تائية الشاعر الشيعي دعبل التي مدح فيها أهل البيت قائلا في مطلعها:

مدارس آيات خلـــت من تلاوة
ومنزل حي مقفـــــــر العرصات


ويذهب الشريف الرضي مذهب التصوف في مدح الرسول ( صلعم) وذكر مناقب أهل البيت وخاصة أبناء فاطمة الذين رفعهم الشاعر إلى مرتبة كبيرة من التقوى والمجد والسؤدد كما في داليته:

شغل الدموع عن الديار بكاؤنا
لبكاء فاطمــة على أولادها


ويقول أيضا في لاميته الزهدية المشهورة التي مطلعها:

راجل أنـــــــت والليالي نزول
ومضر بك البقــاء الطويـــل


وللشاعر العباسي مهيار الديلمي عشرات من القصائد الشعرية في مدح أهل البيت والإشادة بخلال الرسول ( صلعم) وصفاته الحميدة التي لاتضاهى ولاتحاكى.
ولكن يبقى البوصيري الذي عاش في القرن السابع الهجري من أهم شعراء المديح النبوي ومن المؤسسين الفعليين للقصيدة المدحية النبوية والقصيدة المولدية كما في قصيدته الميمية الرائعة التي مطلعها:

أمن تذكر جيــــــران بذي سلم
مزجت دمعا جرى من مقلــــة بـــدم
أم هبت الريح من تلقاء كاظمة
وأومض البرق في الظلماء من إضم


وقد عورضت هذه القصيدة من قبل الكثير من الشعراء القدامى والمحدثين والمعاصرين، ومن أهم هؤلاء الشعراء ابن جابر الأندلس في ميميته البديعية التي استعمل فيها المحسنات البديعية بكثرة في معارضته الشعرية التي مطلعها:

بطيبة انزل ويمم سيـــد الأمم
وانشر له المدح وانثر أطيب الكلــــم


ومن شعراء المديح النبوي المتأخرين الذين عارضوا ميمية البوصيري عبد الله الحموي الذي عاش في القرن التاسع وكان مشهورا بميميته:

شدت بكم العشاق لما ترنموا
فغنوا وقد طاب المقام وزمزم


ومن الشعراء الذين طرقوا غرض المديح النبوي الشاعر ابن نباتة المصري، فقد ترك لنا خمس قصائد في المديح النبوي كهمزيته التي مطلعها:

شجون نحوها العشاق فاءوا
وصب مالـــــه في الصبر راء


ورائيته التي مطلعها:

صحا القلب لولا نسمة تتخطر
ولمعة برق بالغــــــضا تتسعر


وعينيته التي مطلعها:

يادار جيرتنا بسفح الأجــــرع
ذكرتك أفواه الغيوث الهــــمع


ولاميته التي مطلعها:

ما الطرف بعدكم بالنوم مكحول
هذا وكم بيننا من ربعكم ميــل


والميمية التي مطلعها:

أوجز مديحك فالمقـــــام عظيم
من دونـــه المنثور والمنظوم


5- شعر المديح النبوي في الأدب المغربي والأندلسي:

إذا انتقلنا إلى الأدب المغربي لرصد ظاهرة المديح النبوي، فقد كان الشعراء المغاربة سباقين إلى الاحتفال بمولد النبي ( صلعم) ونظم الكثير من القصائد في مدح الرسول ( صلعم) وتعداد مناقبه الفاضلة وذكر صفاته الحميدة وذكر سيرته النبوية الشريفة وذكر الأمكنة المقدسة التي وطئها نبينا المحبوب. و كان الشعراء يستفتحون القصيدة النبوية بمقدمة غزلية صوفية يتشوقون فيها إلى رؤية الشفيع وزيارة الأمكنة المقدسة ومزارات الحرم النبوي الشريف، وبعد ذلك يصف الشعراء المطية ورحال المواكب الذاهبة لزيارة مقام النبي الزكي، وينتقل الشعراء بعد ذلك إلى وصف الأماكن المقدسة ومدح النبي ( صلعم) مع عرضهم لذنوبهم الكثيرة وسيئاتهم العديدة طالبين من الحبيب الكريم الشفاعة يوم القيامة لتنتهي القصيدة النبوية بالدعاء والتصلية.
ومن أهم الشعراء المغاربة الذين اشتهروا بالمديح النبوي نستحضر مالك بن المرحل كما في ميميته المشهورة التي يعارض فيها قصيدة البوصيري الميمية :

شوق كما رفعت نار على علم
تشب بين فروع الضال والسلـــم


ويقول في قصيدته الهمزية مادحا النبي ( صلعم) :

إلى المصطفى أهديت غر ثنائي
فيا طيب إهدائي وحسن هدائي
أزاهير روض تجتنى لعطـــارة
وأسلاك در تصـــــطفى لصفاء


ونذكر إلى جانب عبد المالك بن المرحل الشاعر السعدي عبد العزيز الفشتالي الذي يقول في إحدى قصائده الشعرية :

محمد خير العالميــن بأســرها
وسيد أهل الأرض م الإنس والجان


أما القاضي عياض فقد خلف مؤلفات عديدة وقصائد أغلبها في مدح الرسول( صلعم) والتشوق إلى الديار المقدسة كما في قصيدته الرائية :

قف بالركاب فهذا الربع والدار
لاحـــت علينــــــا من الأحباب أنوار


ومن شعراء الأندلس الذين اهتموا بالمديح النبوي وذكر الأماكن المقدسة لسان الدين بن الخطيب الذي يقول في قصيدته الدالية :

تألق " نجديا" فاذكرني " نجدا"
وهاج لي الشوق المبرح والوجدا
وميض رأى برد الغمامة مغفلا
فمد يدا بالتبــــــــر أعلمت البردا


6الله.
avatar
سيف أديب
مشرف متميز
مشرف متميز

عدد المساهمات : 198
تاريخ التسجيل : 31/08/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: شعر المديح النبوي في الأدب العربي

مُساهمة  Admin في الإثنين أكتوبر 13, 2008 12:53 am

بارك الله فيك أستاذنا الفاضل ننتظر المزيد لنستفيد أكثر ...

_________________

avatar
Admin
Admin
Admin

عدد المساهمات : 739
تاريخ التسجيل : 01/08/2008

http://lycee17.almountadayat.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: شعر المديح النبوي في الأدب العربي

مُساهمة  سيف أديب في الخميس أكتوبر 16, 2008 4:28 pm

إننا نهيب بكل الذين يسهمون في موقعنا المتواضع وأن لا يبخلوا علينا بالنصح والتوجيه
avatar
سيف أديب
مشرف متميز
مشرف متميز

عدد المساهمات : 198
تاريخ التسجيل : 31/08/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى