الشعر العربي القديم (من 1- 11)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الشعر العربي القديم (من 1- 11)

مُساهمة  نازك الملائكة في الإثنين ديسمبر 24, 2012 5:58 pm

ولج النقاد ومؤرخو الأدب العربي عتبة جدال بيزنطي، وتفرقت يهم السبل، فمن مناصر، ومن مناوئ، ومن محايد متحفظ؛ وإن القضية وما فيها تتعلق حول الشعر الجاهلي وعنه، ونظرة الإسلام إليه.
وقبل أن أتطرق إلى ذلك جميعا، ارتأيت أن أعالج الشعر العربي القديم من حيث: ألفاظه وأسلوبه وقدمه، ناهيكم عن فصاحة الشعراء الجاهليين وبلاغتهم؛ وما قال فيهم النقاد والمؤرخون..
الشعر العربي –كما يقول الدكتور عمـر فروخ- قديم النشأة جدا، ولكن القسم الأوفر منه ضاع بعوامل مختلفة: بترك تدوينه، ثم بهلاك نفر كثير من رواته في الفتوح بعد الإسلام، وبتشاغل الناس عن روايته بالدين الجديد. والإجماع بين النقاد واقع على أن أول الشعر العربي: "الرجز". ثم إن الشعراء أنفسهم كثار لا يحيط بهم العد، ولو قصدنا لذكر من لم يقل من الشعر إلا الشذ اليسير لذكرنا أكثر الناس.
غير أن عمرواً بن بحرٍ الجاحظ يرى عمر الشعر الجاهلي قصير جدا، فهو الذي يقول: "... أما الشعر فحديث الميلاد، صغير السن، وإن أول من نهج سبيله وسهل الطريق إليه: المهلهل بن ربيعة وامرؤ القيس بن حجر... فإذا استظهرنا الشعر إلى أن جاء الله بالإسلام وجدنا له خمسين ومائة عام، وإذا استظهرنا غاية الاستظهار فمائتي عام".
ولكن أيعقل أن تكون مائتا عام كافية لأناس وُصفوا بالأمية والجهل والجاهلية حتى ينتجوا هذا الكم الرهيب من القصائد وبتلك الفصاحة والبلاغة والأساليب؟؟ وفي هذا يرد الدكتور الجزائري زبير دراقي: "ولعل ما ذهب إليه الجاحظ وغيره ليس كله صوابا، لأننا لو سلمنا بحداثة الشعر الجاهلي وفتو سنه، فكيف جاء في فترة قليلة أكملَ نضجا، وأكثرَ استقامة في أوزانه ومعانيه؟ أضف إلى ذلك أن بعض الشعراء الجاهليين اعترفوا بأنفسهم بأن شعراءَ آخرين سبقوهم إلى قرض الشعر، وطرق المعاني المتداولة بينهم، كقول امرئ القيس في سبق الكلب بن خدام إلى الوقوف على الأطلال والبكاء عند الديار:
(عوجا على الطلل المحيل لأننا ****** نبكي الديارَ كما بكى ابن خدامِ).
وقول زهير بن أبي سَلمى في تكرار ما قاله السلف:
(مــا أرانا نقول إلا مُعارا ****** أو معاداً من لفظنا مكرورا).
وقول عنترة بن شداد متسائلا عما تركه الأولون للآخرين:
(هل غادر الشعراء من متردم؟ ****** أم هل عرفت الدار بعد توهّم؟)."




... يُتْبَـعْ ...


_________________
باشتياقٍ إليكَ يا الله ..
جئتكَ روحاً بلا حياة .. تحملني خُطىً أثقلتها الذنوب ..
و ألهثُ بأنفاسٍ هدَّها فرطُ الأنين
..
عثراتُ أيامِي تلاحقني .. وتحكمُ عليَّ أسوارَ اليأسِ .. فَلا أفيق ..!
وعتمةُ الهوَى حجَبتْ عنِّي أنوارَ الرحمـَـاتِ .. فتهتُ الطريق ..!
كم كانَ ليلي موجعاً ..
رغمَ صرخاتِ العتاب التي تقتلني كلَّ حين ..
رغمَ الحنين ..
رغمَ كل شيَء ..!
بحثتُ عن عمري على امتدادِ أيامي بعدَ بعثرة السِّنين ..
و لملمتُ الشتاتَ منيباً .. لأقف ببابك يا ملاذي ..
بقلم العضوة نازك الملائكة

نازك الملائكة
مشرف مادة اللغة العربية وآدابها
مشرف مادة اللغة العربية وآدابها

عدد المساهمات : 353
تاريخ التسجيل : 18/02/2012
العمر : 24

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الشعر العربي القديم (من 1- 11)

مُساهمة  نازك الملائكة في الإثنين ديسمبر 24, 2012 5:59 pm

لقد اتضح أن أولئك الشعراء كانوا يعتقدون بأن آدم والجن والعرب البائدة وبضع ولد إسماعيل قالوا شعرا، وربما رووا لهم القصائد أو الأبيات أو البيت والبيتين؛ وقد خفي علينا –كما قال الدكتور الهاشمي- كأكثر الأمم مبدأ قول الشعر أو أول من قاله. أما ما نسب من الشعر إلى آدم وإبليس والملائكة والجن وعاد وثمود فهو حديث خرافة. والشعر الذي صحت روايته منذ أواسط القرن الثاني قبل الهجرة: تنتهي أقدم مطولاته إلى مهلهل بن ربيعة، وأقدم مقطعاته إلى نفر لم يبعدو عنه طويلا، مثلك العنبر بن عمرٍو بن تميم، ودريد بن زيد بن نهد، وأعصر بن سعد بن قيس عيلان، وزهير بن جناب الكلبي، والأفوه الأودي، وأبي دؤاد الإيادي. وقد رووا أنه لم يكن لأوائل العرب من الشعر إلا الأبيات يقولها الرجل في حاجته.
والشعراء الجاهليون كثرة، عجز تاريخ الأدب عن حصرهم، إذ لم يحط بهم محيط، وهم فيما يظهر لا تخلو منهم قبيلة ولا فصيلة ولا مدينة. وقد يكون من الغريب ألا يجتمع فريق من العرب في مكان أو تحت اسم من الأسماء دون أن يكون لهم شاعرا أو شعراء. وفي هذا روى جورجي زيدان عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: "ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرا: لجاءكم علم وشعر كثير... وقد ذكروا أن أبا تمام صاحب الحماسة كان يحفظ من أشعار العرب الجاهلية أربعة عشر ألف أرجوزة، غير القصائد وغير المقاطيع؛ وكان حماد الراوية يحفظ سبعة وعشرين ألف قصيدة، على كل حرف من حروف الهجاء ألف قصيدة؛ وكان الأصمعي يحفظ ستة عشر ألف أرجوزة؛ وكان أبو ضمضم يروي أشعارا لمائة شاعر، كلٌّ منهم اسمه: عمرو...".
في حين يرى الدكتور طه حسين غير ذلك، في كون هذه الكثرة لا تخلو من غرابة، لا سيما حين نلاحظ أن كثرة هؤلاء الشعراء الذين يسميهم الرواة، ليست شيئا من بالقياس إلى ما كان يتحدث به الرواة من أن الشعراء كانوا فوق الإحصاء، ومن أن الشعر كان فوق الحصر، ومن أن أبا ضمضم أنشد في ليلة واحدة لمائة شاعر جاهلي كلهم كان يسمى عمرواً، ومن أن حمادا أنشد مائة قصيدة على كل حرف من حروف المعجم، ومن أنه كان يستطيع أن ينشد سبعمائة قصيدة قبلت في الجاهلية أولها كلها (بانت سعاد)، ومن أن الأصمعي كان يحفظ كذا ألف أرجوزة، ومثلها في القصائد، ومثلهما في الأبيات المقطعة... كل هذا –يقول طه حسين- يدل على أن الفكرة التي كانت شائعة في القرن الثالث بين علماء الأمصار كانت تمثل العرب كأنهم أعظم الأمم حظا من الشعر، أو قل كانت تمثل العرب على أنهم جميعا شعراء... والظاهر أن هذا لا يمكن أن يكون من الحق في شيء.
وبين هـذا وذاك بون شاسع، وتباين متضارب، فـلم يجزم النقاد في هذه القضية من كثرة الشعراء الجاهليين أو قلتهم، ولكن نرى لهم إجماعا ظاهـرا للعيان في فصاحة أولئك الشعراء وبلاغتهم، وجودة أسلوبهم، والبعد عن الركاكة والتصنع في اللفظ وفي المعنى.
كان العرب في جاهليتهم أو قبلها، رجالات عُـرفوا بالبلاغة الباهرة، وبالفصاحة المفحمة، وبجودة اللفظ في معناه... ولعل كل ذلك اشتهر به أهل الوبر من القرويين الأقحاح، وجمعهم المستشرق الألماني كارل بروكلمان عند ستِّ قبائلَ عربيةٍ فصيحة، هم: "هَوازِن وذُبْيان وعامر بنو غَطَفان، وبكر وتَغْلِب بنو ربيعة، وجُهَيْنَةَ من بني قُضاعة".
إن لكلام العرب أساليبَ لا يحذقها إلا من مارسها أشد الممارسة، حتى إذا أراد الإنفاق أنفق من سَعة، ولم يقع في ضائقة تلجئه إلى القصور عما يريد التعبير عنه. وإن أجود شعر الجاهليين، كما يقول الجاحظ: "... ما رأيته متلاحم الأجزاء، سهل المخارج، فتعلم بذلك أنه قد أفرغ إفراغا واحدا، وسبك سبكا واحدا، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان".
وللشعراء ألفاظ ومعان معروفة، وأمثلة وأساطير مألوفة، لا ينبغي للشاعر أن يعدوها، ولا أن يستعمل غيرها، "إلا أن يريد شاعر أن يتظرف باستعمال لفظ أعجمي، أو لفظ خليع، فيستعملهم في النذرة، وعلى سبيل الحضرة".
والشعر الجاهلي يكاد يكون الصدى المتردد للحياة العربية: سوسيولوجيا وتيوقراطيا، فهو ترجمانها وسجلها وديوانها. ولأجل ذلك كان الشاعر الجاهلي –بقصد منه أو باعتباطية- ينتقي لقصيدته: "شرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، والإصابة في الوصف، والمقاربة في التشبيه، والتحام أجزاء النظم والتئامها، على تخير لذيذ الوزن، ومناسبة المستعار منه للمستعار له، ومشاكلة اللفظ للمعنى حتى لا منافرة بينهما"، كما قال صاحب (عيار الشعر).

... يتبع ...




_________________
باشتياقٍ إليكَ يا الله ..
جئتكَ روحاً بلا حياة .. تحملني خُطىً أثقلتها الذنوب ..
و ألهثُ بأنفاسٍ هدَّها فرطُ الأنين
..
عثراتُ أيامِي تلاحقني .. وتحكمُ عليَّ أسوارَ اليأسِ .. فَلا أفيق ..!
وعتمةُ الهوَى حجَبتْ عنِّي أنوارَ الرحمـَـاتِ .. فتهتُ الطريق ..!
كم كانَ ليلي موجعاً ..
رغمَ صرخاتِ العتاب التي تقتلني كلَّ حين ..
رغمَ الحنين ..
رغمَ كل شيَء ..!
بحثتُ عن عمري على امتدادِ أيامي بعدَ بعثرة السِّنين ..
و لملمتُ الشتاتَ منيباً .. لأقف ببابك يا ملاذي ..
بقلم العضوة نازك الملائكة

نازك الملائكة
مشرف مادة اللغة العربية وآدابها
مشرف مادة اللغة العربية وآدابها

عدد المساهمات : 353
تاريخ التسجيل : 18/02/2012
العمر : 24

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الشعر العربي القديم (من 1- 11)

مُساهمة  نازك الملائكة في الإثنين ديسمبر 24, 2012 5:59 pm

"المعلقات"، هي أعظم تراث خلفه الشعراء في الجاهلية: قصائد طويلة وجميلة، تلهج بها الشفاه المحبة للشعر، تعبر عن خلجات النفس المضطربة؛ وبسببها كثر القيل والقال؛ بسبب تسميتها: أعلقت –فعلا- أم لا؟ وبسبب عددها: أسبعة أم عشرة؟ ثم بسبب اختلاف أبياتها من راوية إلى آخر.
أما صاحب العقد الفريد فيرى أنه قد بلغ من شغف العرب بالشعر أن عمدت إلى سبعِ قصائدَ تخيرتها، فكتبتها بماء الذهب في القباطي، وعلّقتها في أستار الكعبة.
ولكن، الدكتور شوقي ضيف له رؤية أخرى: "تعليق المعلقات من باب الأساطير، ... ولو أنهم تنبهوا إلى المعنى المراد بكلمة المعلقات ما لجِـئوا إلى هذا الخيال البعيد، ومعناها: المقلدات والمسمطات".
ويرى الدكتور جواد علي غير ذلك تماما، "الملك إن استجاد قصيدة أمر أن يعلقوها في خزائنه، ولعله استجاد المعلقات العشرة".
أما عبد الرحمن بن خلدون، فله نظرة في هذا الأمـر بعقلانية ومنطقية، فهو يقول: "حيث التعليق ليس حقيقيا، بل مجازا... وإنما علقوها بالذهن وحفظوها عن ظهر قلب، وذلك استئثارا لها، وصبابة بمعانيها، ولعدم التدوين كذلك".
وسـواء علقت تلكم القصائد أم لم تعلق، فحسبنا اليوم أننا نعرفها ونعددها وأصحابها، ومن ذلك (حسب تصنيف الشنقيطي):
1/- معلقة امرئ القيس الكِندي، ومطلعها: (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل).
2/- معلقة طَرفة بن العبد البكري، ومطلعها: (لخولة أطلالٌ ببُرقةَ ثَهْـمَدِ).
3/- معلقة زهير بن أبي سلمى المزني، ومطلعها: (أمن أمِّ أوفـى دمنةً لم تكلّم؟).
4/- معلقة لبيد بن ربيعة العامري، ومطلعها: (عفّت الديار محلّها فمُقامها).
5/- معلقة عمرو بن كُلثوم التغلبي، ومطلعها: (ألا هبي بصحنك فاصبحــينا).
6/- معلقة عنترة بن شداد العبسي، ومطلعها: (هل غادر الشعراء من متردم؟).
7/- معلقة الحارث بن حِلِّزة اليشكري، ومطلعها: (آذنتنا ببينها أسماء).
ومنهم من يزيد على ذلك ثلاث قصائد، وهي:
8/- معلقة الأعشى بن ميمون القيسي، ومطلعها: (ودع هريرة إن الركب مرتحل).
9/- معلقة النابغة زياد الذُبياني، ومطلعها: (يا دار مَيَّةَ بالعلياء فالسّند).
10/- معلقة عبيد بن الأبرص الأُسْدي، ومطلعها: (أفقر من أهله ملحوب).
ولعباس العقاد –في المعلقات- نظرة نفسانية بحتة: "إن المطولات والمعلقات وما لف لفهما، أجدها تنساب كثيرا إلى مقولة سيجموند فرويد (إن لكل فنان عقدة سايكولوجية)، والشاعر الجاهلي فنان، بل أعظم الفنانين العرب، ملم ملكا لم ينبغ لأحد من بعده؛ ... ولعل عقدة الشاعر الجاهلي تتجلى في ثنائية: القلق والخوف... فنجد عمرواً بن كلثوم أو امرئ القيس أو أصحاب المطولات وكأنهم يعيشون ظروفا مقلقة، فتراه يحبذ أن يقول كل شيء، ثم يذهب لشأنه، فتكثر الأغراض في القصيدة الواحدة، وإنا نعلم من الشعراء من قال سوى قصيدة واحدة مطولة، سواء كانت معلقة في الكعبة أو في القلوب، مثل معلقة الحارث... كما نجد الخوف أيضا هاجسهم ومسهدهم، فنجد نابغة ذبيان يخاف جفـوة المناذرة، وامرئ القيس يهاب الليل، وعنترة وغيره من الفرسان يخشون كر الأعداء؛ وهكذا".





... يتبع .

_________________
باشتياقٍ إليكَ يا الله ..
جئتكَ روحاً بلا حياة .. تحملني خُطىً أثقلتها الذنوب ..
و ألهثُ بأنفاسٍ هدَّها فرطُ الأنين
..
عثراتُ أيامِي تلاحقني .. وتحكمُ عليَّ أسوارَ اليأسِ .. فَلا أفيق ..!
وعتمةُ الهوَى حجَبتْ عنِّي أنوارَ الرحمـَـاتِ .. فتهتُ الطريق ..!
كم كانَ ليلي موجعاً ..
رغمَ صرخاتِ العتاب التي تقتلني كلَّ حين ..
رغمَ الحنين ..
رغمَ كل شيَء ..!
بحثتُ عن عمري على امتدادِ أيامي بعدَ بعثرة السِّنين ..
و لملمتُ الشتاتَ منيباً .. لأقف ببابك يا ملاذي ..
بقلم العضوة نازك الملائكة

نازك الملائكة
مشرف مادة اللغة العربية وآدابها
مشرف مادة اللغة العربية وآدابها

عدد المساهمات : 353
تاريخ التسجيل : 18/02/2012
العمر : 24

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الشعر العربي القديم (من 1- 11)

مُساهمة  نازك الملائكة في الإثنين ديسمبر 24, 2012 6:00 pm

إن السوق هو مكان يجتمع فيه أهل البلد أو القرية قي أجل مسمى، وفي أوقات معينة، يتبايعون ويتداولون ويتقايضون. "وكان العرب يقيمونها في أشهر السنة للبياعات والتسوق، ويتنقلون من بعضها إلى بعض، فتدعوهم طبيعة الاجتماع إلى المقارضة بالقول والمفاوضة في الرأي والمبادهة بالشعر، والمباهاة بالفصاحة والمفاخرة بالمحامد وشرف الأصل؛ فكان من ذلك للعرب معونة على توحيد اللسان والعادة والدين والخُـلق". (من تاريخ الأدب العربي لأحمد حسن الزيات).
وقد أقام العرب في الجاهلية أسواقاً في أشهر السنة، وغالبا في الأشهر الحُـرُمِ: " ومن تلك الأسواق: ذو المجاز والمجنة ودومة الجندل، وأشهر أسواق عرب الجاهلية: سوق عُـكاظ، وكانت تقام من أول ذي القعدة إلى اليوم العشرين منه، وأقيمت تلك السوق بعد عام الفيل بخمس عشرة سنة، وبقيت إلى ما بعد الإسلام حتى سنة تسع وعشرين ومائة... وكان يجتمع بهذه السوق أكثر أشراف العرب للمتاجرة ومفاداة الأسرى، ومن أشهر المحكمين بها في الشعر: النابغة الذبياني، ومن أشهر خطبائها: قس بن ساعدة الإيّاديّ؛ وقد لهج بذكرها الشعراء، وحضرها منهم الرجال والنساء" (من جواهر الأدب للدكتور الهاشمي).
وقد ذكرها قس الإيادي في إحدى خطبه:
"نعى عند سوق العكاظ المشيب ***** ونادتك باسم سواك الخطوب.
فكن مستعدّا لداعي المنــون ***** فكلّ الذي هـو آت قريـب".
وكان للعرب –أيضا- مجالسُ غير الأسواق، يجتمعون فيها لمناشدة الأشعار، ومبادلة الأخبار، والبحث في بعض شؤونهم العامة، وكانوا يسمون تلك المجالس: الأندية، ومنها: نادي قريش وكان يتزعمه أبو طالب بن عبد المطّلب، ودار الندوة بجوار الكعبة حيث حجر إسماعيل، تزعمه أبو الحكم، ثم أبو سفيان بن حرب .. وكان لكل بيت فناء بين يديه للاجتماع، ولكل قوم مجتمع عام في المضارب، على غرار فناء أبي سفيان، وفناء أبناء هاشم، وفناء بني عبد الدار، وفناء الأرقم بن أبي الأرقم... على أنهم كانوا حيثما اجتمعوا تناشدوا وتفاخروا. (انظر إلى مقدمة ابن خلدون، وعمدة القيرواني، وأغاني الأصبهاني، وجواهر الأدب للهاشمـي).








... يتبع ...




_________________
باشتياقٍ إليكَ يا الله ..
جئتكَ روحاً بلا حياة .. تحملني خُطىً أثقلتها الذنوب ..
و ألهثُ بأنفاسٍ هدَّها فرطُ الأنين
..
عثراتُ أيامِي تلاحقني .. وتحكمُ عليَّ أسوارَ اليأسِ .. فَلا أفيق ..!
وعتمةُ الهوَى حجَبتْ عنِّي أنوارَ الرحمـَـاتِ .. فتهتُ الطريق ..!
كم كانَ ليلي موجعاً ..
رغمَ صرخاتِ العتاب التي تقتلني كلَّ حين ..
رغمَ الحنين ..
رغمَ كل شيَء ..!
بحثتُ عن عمري على امتدادِ أيامي بعدَ بعثرة السِّنين ..
و لملمتُ الشتاتَ منيباً .. لأقف ببابك يا ملاذي ..
بقلم العضوة نازك الملائكة

نازك الملائكة
مشرف مادة اللغة العربية وآدابها
مشرف مادة اللغة العربية وآدابها

عدد المساهمات : 353
تاريخ التسجيل : 18/02/2012
العمر : 24

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الشعر العربي القديم (من 1- 11)

مُساهمة  نازك الملائكة في الإثنين ديسمبر 24, 2012 6:00 pm

إذا رجعنا إلى القصائد الجاهلية الطوال، والمعلقات منها على الأخص، رأينا أن الشعراء يسيرون فيها على نهج مخصوص: "يبدؤون عادة بذكر الأطلال، ثم بذكر الحبيبة، ثم ينتقلون إلى وصف الراحلة والطريق التي سلكها، ويذكرون مغامراتهم، بعدئذ يخلصون إلى المديح أو الفخر أو ذكر اللهو والخمر... ويجدر بالملاحــظة أن في المعلقات أغراضا متعددة، واحد منها مقصود لذاته: كالغزل عند امرئ القيس، والمديح عند زهير، والفخر والاستعلاء عند عمرٍو، واللهو عند أعشى قيس، والحماسة عند عنترة، والاعتذار عند النابغة" (من الوافي بالمعلقات للدكتور طلال حرب).
هذا في المعلقات، أما في سائر القصائد الجاهلية، فالأمر ليس سيّان، قد يختلف أحيانا اختلافا ظاهرا، إذ هناك مقطعات في الرثاء أو الوصف أو الحكمة أو الحماسة مستقلة بنفسها وبغرضها، وهناك قصائد تعالج موضوعا واحداً، كقصيدة عروة الصعلوك بن الورد:
(أقلي علي اللوم، يا ابنة منذر، ***** ونامي، فإن لم تشتهِ النوم فاسهري).
فإنها زهاء ثلاثين بيتا ، تدور حول فكرة واحدة وموضوع واحد، هما أن امرأة الشاعر تلومه لأن رزقه قليل.
وقد أجمل قدامة بن جعفـرٍ أغراض الشعر العربي قبيل الإسلام في قوله: "الشعر الجاهلي كله في ثلاث لفظات: إذا مدحت قلت أنت؛ وإذا هجوت قلت لست؛ وإذا رثيت قلت كنت".
والأغراض كثيرة، أذكر منها:
1/- وصف الأطلال: وهو ذكر الصبابة، والتشوق إلى الحبيبة في أثر الدار المنهارة بعد رحيل أهلها، أو في المكان الذي كانت فيه الخيمة منصوبة.
2/- وصف الراحلة: وهي المطية (الناقة أو الفرس) التي يركبها الشاعر للوصول إلى الحبيبة أو إلى الممدوح.
3/- وصف الصيد: وتصيد الجاهلي لسببين: إما طلبا للمعاش كما كان يفعل الصعاليك، أو طلبا للهو كما كان يفعل امرئ القيس.
4/- وصف الطبيعة: وهي وصف ما كان يراه الشاعر أثناء رحلته من صحراء أو أودية أو مطر، وأشهر الوصافين في الجاهلية امرئ القيس.
5/- الحماسة: وهي وصف المعارك، والفخر بالنفس وبالأسلاف.
6- الحكمة: وهو ذكر آراء صائبة تصدق في الواقع أو توافق المنطق، وقد اشتهر بهذا النوع من أغراض الشعر: زهير ولبيد والأفوه.
فيروى لزهيرٍ قوله:
(رأيت المنايا خبط عشواء، من تصب **** تمته، ومن تخطئ يعمّـر فيهـرمِ.
ومن لا يصانع فـي أمـور كثيرة **** يضرس بأنياب، ويُوطَّـأ بمنسـمِ.
ومن هـاب أسباب المنايا ينلـنه **** وإن يرق أسباب السمــاء بسلّمِ).
وروي أن لبيداً قال:
(بلينا وما تبلى النجوم الطوالع **** وتبقى الديار بعدنا والمصانع.
فلا جزْعَ إن فـرّق الدهر بيننا **** فكل امرئ يوما به الدهر فاجع.
لعَمْرُك، ما تدري الطوارق بالحصى **** ولا زاجرات الطير ما الله صانع).
أما الأفوه الأودي، فروي له:
(والبيت لا يبتنى إلا له عمـد ***** ولا عماد إذا لم تُـرْسَ أوتـادُ.
فإن تُجمّـع أوتاد وأعـمدة ***** وساكن، بلغوا الأمـر الّذي كادوا.
لا يصلُح القوم فوضى لا سَراة لهم ***** ولا سراة إذا جهّـالهم سـادوا.
تهدى الأمور بأهل الرأي ما صلُحت ***** فإن تَوَلَّوا فبالأشــرار تنقادُ).
7/- الغزَل: وهو تعبير عن عاطفة أصيلة في الإنسان أصالة الحاجة التناسلية (الجنسية) فيه، وتغزُّل الجاهلي جرى مجريين: مجرى عفيفا، ومجرى صريحا.
أما الأول فكان في البادية أكثر، وكان عفيف اللفظ والمعنى؛ وقلما صرح الشاعر باسم عشيقته في شعره، من أجل ذلك كان الغزل العفيف نسيبا يدور حول بث الأشواق، ومن صرح باسمها منعوه من الزواج بها، على غرار عنترة العبسي لما شهّـر باسم حبيبته وابنة عمـه عبلة.
أما الغزل الصريح فهو وصف للخلاعة، ووصف لأعضاء المرأة الظاهرة (راجع معلقة امرئ القيس الكِنْدي، ولك فيها مندوحة).
8/- الفخر: من توابع العصبية والحياة القبلية، وكان الشاعر يفتخر بقومه أولا، ثم بنفسه ثانيا؛ أما مقومات الفخر في الجاهلية كانت: "شرف الأصل، وكثرة العدد، والشجاعة والكرم وما يتفرع منها"، وفي مثل هذا قال عمرو بن كلثوم:
(وقد علـم القبائل غـير فخر **** إذا قبب بأبطـحـها بنينا.
بأنّا العــاصمـون إذا أُطعنا **** وأنا العـازمون إذا عُصِينا.
وأنا المطـمِـعـون إذا قدرنا **** وأنا المهلـِكون إذا ابتُلينا.
وأنا المـانعــون لمـا أردنا **** وأنا النازلون بحيـث شينا.
ونشرب إن وردنا الماء صفوا **** ويشرب غيرنا كدَراً وطينا).
9/- المدح: كان الجاهليون يمدحون بالمكارم التي كانوا يفتخرون بها؛ والمدح في الجاهلية كان اثنين: مديحا للشكر والإعجاب يغلُب على أهل البادية، كما عند امرئ القيس وعند زهيرٍ، ومديحاً للتكسب يغلب عليه التصنع، وهو في أهل الحواضر والمدن، كما عند النابغة والأعشى.
10/- الرثاء: وهو في الحقيقة مديح للميّت، وذكر لمحمود صفاته وأفعاله، ويتصل بذلك النواح والعويل، ولعل أشهر الشعراء في الجاهلية من حيث هذا الغرض، هي الخنساء (تُماضِـر)، وهي القائلة في ذكرى أخيها صخرٍ:
(قذىً بعينك أم بالعين عُوار *** *** أم ذرّفت، أم خلت من أهلها الدار؟
تبكي خنّاس على صخر وحُقّ لها *** *** إذ رابها الدهر، إن الدهر ضَرّار.
وإنّ صــخرا لتأتمّ الهُـداة به *** *** كأنه علــم في رأســه نار).
11/- الهجاء: "إن الجاهلي يهجو بالعيوب النفسية الخُلُقية، ولم يهجُ بالعيوب الجسمية الخَلْقية"، وأجمع النقاد والدارسون على أن أهجى الناس في الجاهلية هو جَرْوَلُ بن أوسٍ الحُـطَيْئَة؛ الذي هجا أمه وخليلته، وأولاده، وقومه، بل سلح على نفسه بلاذع القول، ومن قوله يهجو أولاده:
(إن بنِيَّ كلهم كالكلب *** * *** أبرّهم بي أولاهم بسبي.
لم يُغْنِ عنهم أدبي وضربي *** * *** ولا اتساعي لهم ورُحْبي.
فليتني متّ بغير عـقب *** * *** أو ليتني كنت عقيم الصلب).







... يتبع ...



_________________
باشتياقٍ إليكَ يا الله ..
جئتكَ روحاً بلا حياة .. تحملني خُطىً أثقلتها الذنوب ..
و ألهثُ بأنفاسٍ هدَّها فرطُ الأنين
..
عثراتُ أيامِي تلاحقني .. وتحكمُ عليَّ أسوارَ اليأسِ .. فَلا أفيق ..!
وعتمةُ الهوَى حجَبتْ عنِّي أنوارَ الرحمـَـاتِ .. فتهتُ الطريق ..!
كم كانَ ليلي موجعاً ..
رغمَ صرخاتِ العتاب التي تقتلني كلَّ حين ..
رغمَ الحنين ..
رغمَ كل شيَء ..!
بحثتُ عن عمري على امتدادِ أيامي بعدَ بعثرة السِّنين ..
و لملمتُ الشتاتَ منيباً .. لأقف ببابك يا ملاذي ..
بقلم العضوة نازك الملائكة

نازك الملائكة
مشرف مادة اللغة العربية وآدابها
مشرف مادة اللغة العربية وآدابها

عدد المساهمات : 353
تاريخ التسجيل : 18/02/2012
العمر : 24

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الشعر العربي القديم (من 1- 11)

مُساهمة  نازك الملائكة في الإثنين ديسمبر 24, 2012 6:00 pm

تعددت الأديان بين العرب في الجاهلية، وكان أكثرها انتشاراً عبادة الأصنام والأوثان، واتخذوا لها أسماء، ورد ذكر بعضها في القرآن الكريم: كما في سورة النجم "أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى"، وكما في سورة نوح "وقالوا لا تذرنّ آلهتكم، ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ولا يعوق ونسرا". وتلك الآلهة عظمها العرب؛ فقدموا لها الذبائح، وقربوا لها القرابين، وضربوا حولها الأزلام والتجارة، فتأثرت حياتهم بها.
وكان منهم من عبد الشمس، كما في بعض جهات من اليمن، وآخرون عبدوا القمر كما في كنانة، وفي اليمامة وضواحيها عبدوا النار، وانتشرت اليهودية في يثرب وخيبر، وانتشرت النصرانية في الحيرة ونجران، حيث ربيعة وغسان، وكانت هناك طائفة قليلة كانت على دين إبراهيم الخليل عليه السلام، فعبدوا الله وحده، سماهم المؤرخون: الحنفاء، من أبرزهم: ورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو، وعثمان بن الحارث، وأمية بن أبي الصلت الثقفي.
ويتضح من بعض شعر العرب قبيل الإسلام، تعظيمهم للأصنام أرباباً وآلهةً، حتى وصل الحد بطرفة بن العبد أن أقسم بالنصب:
"فأقسمت عند النصب إني لهالك **** بمتلفة، ليست بغبط ولا خفض".
ونفس الشيء فعله خاله المتلمس، إذ قال يهجو عمرواً بن المنذر:
"وأطردتني حذر الهجاء، ولا **** واللات والأنصاب لا تئل".
وكذا حلف أوس بن حجر باللات والعزى وبالله، فقال:
"وباللات والعُزّى ومن دان دينها **** وبالله، إن الله منهن أكــبر".
وإذا ما عرفنا كيف بدأ تقديس العرب للأصنام وعبادتها، نستطيع أن نتبين الأسباب التي جعلت غمار الناس يتشبثون بها ويبتعدون عن دين التوحيد، وكذلك نستطيع أن نتعرف على طبيعة تلك العقلية المحافظة المكابرة، التي وقفت بعنف وشدة بوجه الدين الإسلامي في بيئته الأولى، وقد روى صاحب المفصل عن ابن هشام قوله: "وكان الذي سلح بهم إلى عبادة الأوثان والحجارة، أنه كان لا يطعن من مكة طاعن إلا احتمل معه حجرا من حجارة الحرم، تعظيما للكعبة وصبابة بمكة، فحيثما حلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالبيت..." وبمرور الوقت نسى الناس العلة في تقديس الحجارة على أنها أثرا من آثار الكعبة وذكرى لها، فانتقل التقديس للحجر نفسه، وتطور الحجر إلى صنم، وكلما امتد العهد واستطال الزمان أحيطت هذه العبادة المقصودة بشيء من الغموض؛ والناس مذ كان الناس تحن إلى الموروث الذي يكتنفه الضباب وتلفه الأسطورة. (من كتاب المفصل في تاريخ العرب، للدكتور جواد علي، ص 21، دار العلم للملايين، بيروت لبنان، د.ت).
وقد جرت العادة أن يتّبع الناس دين آبائهم، دون أن يجرؤوا على التشكيك بجدوى هذه العبادة، إلا بعض الأعراب الذين ثاروا على أصنامهم حينما تتضارب الأهواء، نحو ما روي أن امرئَ القيس قال عندما استقسم الأزلام بذي الخَلُصَهْ، فخرج السهم ينهاه عن الثأر لمقتل أبيه:
"لو كنت يا ذا الخلص الموتورا **** مثلي، وكان شيخك المقبورا
لم تنه عن قتــل العداة زورا".
وأتى الشاعر معاذ الملكاني (في الأغاني: معاذ بن سعيد الكلبي) إلى سعدٍ، وهو صنم، بإبل معه يتلمس بركاته، فلما رأت النوق ما على الصنم من الدم المُهْـراق، نفرت وتفرقت في كل وجه، فأخذ حجرا رمى به سعدا، وأنشد:
"أتينا إلـى سعد ليجمع شملنا *** *** فشتتنا سعدٌ، فلا نحن من سعـدِ.
وهل سعد إلا صخرة بتنوفـة *** *** من الأرض؟ لا يدعو لغيٍّ ولا رشد".
وكفر غاوي بن عبد العزى، بعدما ضاق ذرعا بصنمه:
"أربٌّ يبول الثَعلبان برأســه؟ **** لقد ذلّ من بالت عليه الثعالب".



... يتبع ...

_________________
باشتياقٍ إليكَ يا الله ..
جئتكَ روحاً بلا حياة .. تحملني خُطىً أثقلتها الذنوب ..
و ألهثُ بأنفاسٍ هدَّها فرطُ الأنين
..
عثراتُ أيامِي تلاحقني .. وتحكمُ عليَّ أسوارَ اليأسِ .. فَلا أفيق ..!
وعتمةُ الهوَى حجَبتْ عنِّي أنوارَ الرحمـَـاتِ .. فتهتُ الطريق ..!
كم كانَ ليلي موجعاً ..
رغمَ صرخاتِ العتاب التي تقتلني كلَّ حين ..
رغمَ الحنين ..
رغمَ كل شيَء ..!
بحثتُ عن عمري على امتدادِ أيامي بعدَ بعثرة السِّنين ..
و لملمتُ الشتاتَ منيباً .. لأقف ببابك يا ملاذي ..
بقلم العضوة نازك الملائكة

نازك الملائكة
مشرف مادة اللغة العربية وآدابها
مشرف مادة اللغة العربية وآدابها

عدد المساهمات : 353
تاريخ التسجيل : 18/02/2012
العمر : 24

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الشعر العربي القديم (من 1- 11)

مُساهمة  نازك الملائكة في الإثنين ديسمبر 24, 2012 6:01 pm

شهد لنا تاريخ الأدب العربي أن الجاهليين "شجعان صناديد، لا يطيشون عند الفزع، ولا يفقدون اتزانهم وعقولهم، ولا تضعضعهم الرزايا، فيضعفون عن مواجهتها، ويضجون عن منازلتها، فينصرفون إلى اللغط والهذر ضعفا وتذمرا"، ناهيك عن جودهم، وقد اشتهر منهم هرم بن سنان الذي مدحه زهير، والشاعر حاتم طيء؛ وعن وفائهم وكلنا يعرف قصة اليهودي السموأل بن عادياء مع امرئ القيس، وعن تأمين المستجير حتى إن كان عدوهم، فهم لا يخفرون من ذمتهم...
وفي المقابل، هنالك شواهد كثيرة، تثبت الأخلاق البذيئة والعادات المستكرهة؛ نحو الانحلال والإباحية مثلما كان عند امرئ القيس:
"ألا رب يومٍ لك من البيض صالح *** *** ولا سيما يوم بدارة جلجل.
ويوم دخلت الخدر: خدر عنيزة *** *** فقالت: لك الويلات إنك مرجلي.
فقلت: سيري وأرخي زمامه *** *** ولا تبعديني عن جناك المعلل.
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع *** *** فألهيتها عن ذي تمائم محول.
إذا بكى من خلفها انصرفت له *** *** بشِقّ، وتحتي شقهـا لم يحول".
ونحو العصبية القومية (في اصطلاح اليوم: العنصرية)، خاصة تلك التي ظهرت بين القحطانيين والعدنانيين، ومنها قول الأفوه:
"يا بني هاجـر ساءت خطـة ***** أن تروموا النصف منا ونجــار.
إن يجل فيكم مهـري جولـة ***** فعليه الكــرّ فـيكم والغـار.
نحن أود ولأود سنّــــةُ ***** شرفٍ ليس لنا عنـها قصـــار.
سنة أورثناهــا مذحـج ***** قبل أن يُنسَـب للنّاس نــــزار.
ولقد كنتم حديثا زمــعا ***** وذنابى حيث يحتلّ الصــــغار.
عنكم في الأرض، إنّا مذحج ***** ورُويداً يفضح اللّيلَ النهــــارُ".
وأيضاً أكل مال اليتيم، وقد قال في ذاك طرفة بن العبد، يغتبّ أخواله الذين سلبوا مال أمّه وردة بعد موت بعلها:
"ما تنظرون بمال وردة فيكم؟ **** صغر البنين، ورهــط وردة غُيَّـبُ.
قد يبعث الأمر العظيم صغيره **** حتى تظلّ له الدّمــاء تُصـــبّ.
والظلم فرّق بين حيي وائـلٍ **** بكرٌ تُسـاقيهـا المـنايا تغــلبُ".
والخمريّات التي تغنّـى بها أكثر الشعراء، حتى إنه قد استهلل بها سيد تغلب وشاعرها (عمـرو بن كلثوم) معلّقته:
"ألا هُـبّي بصحنك فاصبحينا *** *** ولا تبقي خمــور الأنـدرينا.
مشعشعة كأنّ الحُـصَّ فـيها *** *** إذا ما المـــاء خالطها سخينا.
وكأسٍ قد شربت في بعلبكّ *** *** وأخرى فـي دمشقُ وقاصرينا".
وكذا من عاداتهم السيئة، قول الزور، وفي ذلك قال الصعلوك عمرو بن برّاق:
"إنما الصدق وبال يُفـترى ***** وأحق الحق ما يوحي الحكيم.
أبطل الباطل لا يؤذي الورى ***** وأحق الحق يودي بالصـميم".








... يتبع ...


_________________
باشتياقٍ إليكَ يا الله ..
جئتكَ روحاً بلا حياة .. تحملني خُطىً أثقلتها الذنوب ..
و ألهثُ بأنفاسٍ هدَّها فرطُ الأنين
..
عثراتُ أيامِي تلاحقني .. وتحكمُ عليَّ أسوارَ اليأسِ .. فَلا أفيق ..!
وعتمةُ الهوَى حجَبتْ عنِّي أنوارَ الرحمـَـاتِ .. فتهتُ الطريق ..!
كم كانَ ليلي موجعاً ..
رغمَ صرخاتِ العتاب التي تقتلني كلَّ حين ..
رغمَ الحنين ..
رغمَ كل شيَء ..!
بحثتُ عن عمري على امتدادِ أيامي بعدَ بعثرة السِّنين ..
و لملمتُ الشتاتَ منيباً .. لأقف ببابك يا ملاذي ..
بقلم العضوة نازك الملائكة

نازك الملائكة
مشرف مادة اللغة العربية وآدابها
مشرف مادة اللغة العربية وآدابها

عدد المساهمات : 353
تاريخ التسجيل : 18/02/2012
العمر : 24

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الشعر العربي القديم (من 1- 11)

مُساهمة  نازك الملائكة في الإثنين ديسمبر 24, 2012 6:01 pm

كان الشاعر الجاهـلي ذا خيال بعيد، فرضته عليه الطبيعة القاحلة والقافرة والموحشة (وهي ميزة منطقة الجزيرة العربية)، فنجده ينسج من بنات أفكاره قصصا خرافية، لا أصل لها البتة. وقد "نسب عرب الجاهلية كل أمر غريب عجيب إلى الجانّ، وتخيلوا أن عبقر واديهم ومُقامهم، وقالوا في الأمر العظيم: عبقريّ، فـلا عجب بعد هذا أن يصلوا الشعرَ بالجن، ولا عجب أن يتخيلوا أن لكل شاعر شيطانا يلهمه قول القريض"، وفي هذا قال طرفة:
"إنّـي وإن كنت صغير السـنّ ***** وكان في العين نبوٌّ عنــي.
فـإن شـيطاني أمـيرُ الجنّ.. ***** يذهب بي فـي الشعر كل فن".
وفـسر أبو عثمان الجاحظ ذيوع مثل هذا الشعر المتّصل بالجن تفسيرا أجده منطقيا، وعلله تعليلا أجده عقلانيا، فـقال: "إنهم ليس يلقون بهذه الأشعار وبهذه الأخبار إلا سواديا مثلهم، وإلا غبيا لم يأخذ نفسه قطّ بتمييز ما يوجب التكذيب أو التصديق، وإما يلقوا راوية شعر أو صاحب خبر؛ فالراوية عنده كلما كان الأعرابي أكذب في شعره كان أظرفاً وصارت روايته أغلب، ومضاحيك حديثه أكثر، فلذلك صار بعض شعراء فترة الجاهلية يدّعـي رؤية الغول أو قتلها أو تزويجها".
ومن إغراقهم في الأساطير أيضا أنهم كانوا يعمدون إلى تماثيل صنعوها، أو أشجار غرسوها، أو أصنام استحدثوها، فيعبدونها ويجعلونها الإله، أو يجعلونها واسطة بينهم وبين الله، ليتقربوا بها إليه زلفى، والأوثان الآلهة –في أيامهم- كثرة، منها العظيمة وبناتها وهكذا، وإن أعظم إله كان في الجاهلية عند العرب هو هبل، بحكم سيادة قريش، وبحكم أنه وضع في ثنايا الكعبة.. "وكان الناس يحجون إلى صنم العزى، ويطوفون حوله قائلين:
يا عزّ سلطانك، يا سبحانك *** *** إني رأيت الله في مكانك.
وبقي هذا الصنم إلى أيام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث أرسل إليه خالد بن الوليد المخزومي فهدمه، وأحرق السمرات، وهو يقول:
يا ذل كفرانك، لا سبحانك *** *** إني رأيت الله قد أهانك".
(من كتاب الأصنام، لابن الكلبي، تحقيق أحمد زكي البدراوي، ص 13، دار الكتب المصرية، القاهرة مصر،د.ت).
ومن أساطيرهم أيضا قولهم: الطبع المحيي والدهـر المفني، وهذا ليس بغريب على العلمانيين في وقتنا الحالي، إذ إن طبيعتهم وعقولهم جعلتهم يميلون إلى المادة، وفي هذا أنزل الله في محكم التنزيل (الجاثية/24): "وقالوا ماهي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وما يهلكنا إلا الدهر، ومالهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون".

... يتبع ...




_________________
باشتياقٍ إليكَ يا الله ..
جئتكَ روحاً بلا حياة .. تحملني خُطىً أثقلتها الذنوب ..
و ألهثُ بأنفاسٍ هدَّها فرطُ الأنين
..
عثراتُ أيامِي تلاحقني .. وتحكمُ عليَّ أسوارَ اليأسِ .. فَلا أفيق ..!
وعتمةُ الهوَى حجَبتْ عنِّي أنوارَ الرحمـَـاتِ .. فتهتُ الطريق ..!
كم كانَ ليلي موجعاً ..
رغمَ صرخاتِ العتاب التي تقتلني كلَّ حين ..
رغمَ الحنين ..
رغمَ كل شيَء ..!
بحثتُ عن عمري على امتدادِ أيامي بعدَ بعثرة السِّنين ..
و لملمتُ الشتاتَ منيباً .. لأقف ببابك يا ملاذي ..
بقلم العضوة نازك الملائكة

نازك الملائكة
مشرف مادة اللغة العربية وآدابها
مشرف مادة اللغة العربية وآدابها

عدد المساهمات : 353
تاريخ التسجيل : 18/02/2012
العمر : 24

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الشعر العربي القديم (من 1- 11)

مُساهمة  نازك الملائكة في الإثنين ديسمبر 24, 2012 6:01 pm

إن تاريخ العرب في الجاهلية غامض، تسوّرته الشكوك، وزاغ به الريب والظنون، لأنه لم يدون، ولتفشي الأمية بينهم، ومع ذلك فقد كانت هناك حياة سياسية، بعضها متصل بنظام حياتهم الداخلية، وبعضها الآخر متصل بعلاقاتهم بمن حولهم:
أما فيما يتصل بنظمهم الداخلية، فقد قامت في اليمن دولة سبأ ودولة حِمْيَر، حاربت الفرس والأحباش، وفي الشمال نجد العدنانيين الذين تعددت قبائلهم، وأكبر فروعهم: ربيعةَ ومُضَر، وكانت بينهما أحداثا جسيمة وحروبا طويلة (مثل حرب البسوس بين بكر وتغلب، وحرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان)، "وكانت مكة أعظم موطن للعدنانيين، وقد سكنتها قريش وكنانة".
وأما فيما يتصل بعلاقات العرب بغيرهم ممن حولهم، فقد اتصلوا بهم عن طريق التجارة، وكانت لقريش رحلتان في العام: رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام، وفي هذا قال سبحانه: "لإيلاف قريش، إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف".
وكانت هذه التجارة وسيلة إلى معرفتهم ببعض شؤون الدول الأخرى وعمرانها، "كما نقلوا عن طريق تلك الرحلات كثيرا من ألفاظ تلك الأمم: كالفارسية والرومية والعبرية والحبشية والمصرية القبطية، وأدخلوها في لغتهم"، ناهيك عن إقامة الدولتين العظميين لإمارتين عربيتين على تخومهما لدفع غزوات العرب؛ فكونت فارس إمارة الحيرة تحت إدارة اللخميين (المناذرة)، وفي الجهة الأخرى أقام الروم إمارة الغساسنة وكان يسوسها عرب يدينون بالنصرانية.
وللحياة السياسية في الجاهلية مظاهر عدة، أشهرها وأوضحها على الإطلاق، النظام الذي سنته كل قبيلة لنفسها. والقبيلة هي أسرة كبيرة تنتمي إلى أب واحد، ولها شيخ هو سيدها ومدير أمورها، وعلاقة القبائل بعضها ببعض تقوم غالبا على العداء، فالقبيلة إما مغيرة أو مغار عليها، إلا أن يكون حلف أو مهادنة. "وكل فرد في القبيلة يتعصب لقبيلته حتى ولو كان قاطع طرق"، وفي هذا يقول عمرو بن كلثوم:
(إذا ما الملك سام الناس خسفا ***** أبينا أن نقر الذل فينا).
وقول ابن الزبعري:
(لا يسألون أخاهم حين يندبهم ***** في النائبات على ما قال برهانا).
وقد كان لكل قبيلة شاعر أو أكثر يرفع ذكرها، ويضع عنها وزرها، ويتغنى بمفاخرها، ويهجو أعداءها.. وكانت القبيلة من العرب "إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائلُ فهنأتها، وصنعت الأطعمة، واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر، كما يصنعون في الأعراس، ويتباشر الرجال والولدان، لأنه حماية لأعراضهم، وذبّ عن أحسابهم، وإشادة بذكرهم، وكانوا لا يهنئون إلا بغلام يولد، أو شاعر ينبغ، أو فرس تنتج".
والشاعر الجاهلي لسان حال قبيلته، والناطق الرسمي باسمها، فنجده يعترف بالتزامه بقضايا قومه، ويسخر لسانه للتعبير عنها، ويوظف شعره لتصويرها، وإذا بحياته تكاد تتوقف في لحظة الانفصال عن القوم، فلا يسير إلا في ركابهم سلبا أو إيجابا، على نحو ما صوره شاعر هوازن، دُرَيْد بن الصِّمَّـة:
(أمرتهمو أمري بمنعـرج اللوى **** فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغدِ.
فلما عصوني، كنت منهم، وقد **** أرى غوايتهم أو أنني غير مهــتد.
وما أنا إلا من غزية، إن غـوت **** غويت، وإن ترشد غزية أرشــدِ).
وكان الشاعر الجاهلي يفقد العيش في رحاب قبيلته أو يطرد منها لأمر تستنكره القبيلة، فيتحلل الشاعر من ذاك النظام السياسي، ومن ذاك الوازع الأخلاقي.. وإن تاريخ أدبنا الغربي يشهد لنا خروج الصعاليك الشعراء من نظام قبائلهم، وكذا خروج أو طرد امرئ القيس الكندي من سلطة أبيه، وكان نفس الأمر مع الشاعر طرفة بن العبد البكري الذي تمرد وأعلن سخطه على العشيرة كلها.
ومن قول الشنفرى وهو هائم على وجهه:
(هناك لا أرجو حياةً تسرني *** سجيس الليالي مبسلا بالحرائر).
وقال ابن أخته تأبط شرا "ثابت بن جابر":
(لتقرعنّ عليّ السّنّ من ندمٍ *** إذا تذكرت يوما بعض أخلاقي).
وطرفة رفع لواء الاستعصاء، فطرد من قبيلته شر طردة، فهو يقول:
(وما زال تشرابي الخمور ولذتي *** وبيعي وإنفاقي: طريقي ومتلدي.
إلى أن تحامتني العشيرة كلها *** وأُفـرِدتُ إفـراد البعير المـعبّـد.
فذرني وخُلُقي إني لك شاكر *** ولو حل بيتي نائيا عند ضـرغـد).
وأيضا طرد الشاعر المنخّل بن مسعود اليشكري من قبيلته، لأنه (كما قال صاحب الأغاني): "كان غزلا، يقول العوراء من الكلام، لا رادع له، ولا اكتراث منه، مغامرا ذا مكائد، أحب المتجردة امرأة أبي قابوس النعمان بن المنذر، وقيل إنه خلا بها يوم، فتوعده النعمان، فطرده بنو يشكر، وبرئت منه كل عشيرة بكر بن وائل..."، وهو القائل عن يومه مع المتجردة:
(إن كنت عاذلتي فسيري *** *** نحو العراق ولا تحوري).
ومنها:
(ولقد دخلت على الفتا *** *** ة الخدر فـي اليوم المطير.
الكاعب الحسناء، تـر *** *** فل في الدَّمَقْسِ وفي الحرير.
فدفعتها فتدافــعت *** *** مشي القطـاة إلى الغـدير.
ولثمتهــا فتنفست *** *** كتنفـس الظبي الغــرير.
وأحبــها وتحـبني *** *** ويحب ناقتَها بعــــيري.
فإذا ما انتشيت فإنني *** *** رب الخَوَرْنَقِ والسَّـــدير).
لعله من نافلة القول، تأكيد تمتع القبيلة بحرية في ظل النظام القبلي الجاهلي، فقد كانوا متساوين الحقوق، لا يتميز بعضهم عن بعض، وفي مقابل هذا، كان على الفرد في القبيلة أن يخضع لرأيها ولا يخرج عليه، ولا يكون سببا في تفريق كلمتها، وتشتيت وحدتها، أو الإساءة إلى سمعتها، فإنه إذا علا واستكبر عن ذلك وكثرت جرائره، عرّض نفسه للخلع، فيتبرؤون منه ومن جنايته، ولذلك تجد أن أفراد القبيلة جميعهم يحرصون على سمعتها ومصالحها وصيانة حقوقها، وأن أحدهم ليضحّي لها بماله وولده ونفسه، فهي حياته وكيانه، وهو مع اعتزازه بفرديته وحريته، يجد تحقيق تلك الحرية في نطاق القبيلة وعصبيته لها.
و"العصبية –عند ابن خلدون- هي النصرة على ذوي القربى وأهل الأرحام، أن ينالهم ضيم، أو تصيبهم هلكة".



... يتبع ...


_________________
باشتياقٍ إليكَ يا الله ..
جئتكَ روحاً بلا حياة .. تحملني خُطىً أثقلتها الذنوب ..
و ألهثُ بأنفاسٍ هدَّها فرطُ الأنين
..
عثراتُ أيامِي تلاحقني .. وتحكمُ عليَّ أسوارَ اليأسِ .. فَلا أفيق ..!
وعتمةُ الهوَى حجَبتْ عنِّي أنوارَ الرحمـَـاتِ .. فتهتُ الطريق ..!
كم كانَ ليلي موجعاً ..
رغمَ صرخاتِ العتاب التي تقتلني كلَّ حين ..
رغمَ الحنين ..
رغمَ كل شيَء ..!
بحثتُ عن عمري على امتدادِ أيامي بعدَ بعثرة السِّنين ..
و لملمتُ الشتاتَ منيباً .. لأقف ببابك يا ملاذي ..
بقلم العضوة نازك الملائكة

نازك الملائكة
مشرف مادة اللغة العربية وآدابها
مشرف مادة اللغة العربية وآدابها

عدد المساهمات : 353
تاريخ التسجيل : 18/02/2012
العمر : 24

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الشعر العربي القديم (من 1- 11)

مُساهمة  نازك الملائكة في الإثنين ديسمبر 24, 2012 6:02 pm

اتفق النقدة أن العرب في شبه الجزيرة العربية قبيل الإسلام قسمان: أهل وبر وبادية، وأهل مدر وحاضرة، فالمناطق التي يجودها المطر، وتكثر فيها المياه والآبار، تكون مناطق زرع ورعي واستقرار، ثم تقوم فيها الأبنية ويرفع العمران وتنشأ فيها أسباب الحضارة، وتنشط بها التجارة والأسواق، وسكان هذه المناطق هم أهل المدن التي كانت حول الجزيرة (في الحجاز، اليمن، العراق والشام)، وقليلا ما تكون في قلب الجزيرة، لأنها "صحراوية أو جبلية مجدبة، الحياة فيها قاسية، فلا تتفق والحياة المستقرة، فيحتاج لذلك سكانها إلى الرحلة والنُقلة، طلبا لمساقط الغيث ومنابت الكلأ... ولكل قبيلة منازل في الصيف، ومنازل في الشتاء، معلومة ومبنية"(من كتاب الشعر وأيام العرب في العصر الجاهلي، للدكتور عبد الرحمن عفيف، ص 31، ط 2، دار الأندلس للطباعة، بيروت لبنان، 1984).
ومع ذلك فإن هذا التقسيم الاجتماعي بين البدو والحضر، لا يُفهَمُ منه انقطاع البادية عن الحاضرة أو انعزالها، بل كانت على صلة دائمة بها، تتزود منها وتتأثر بها، و"حتى حياة المدن كانت حياة قبلية، فما يثرب إلا لمستقر لقبيلتي الأوس والخزرج، والطائف كانت مصطاف بني عامر ثم مستقر ثقيف، ومكة مدينة قريش..."، والأوضح من هذا أن القبيلة الواحدة قد يكون لها حاضرة وبادية في آن واحد، جاء في اللسان: "قريش الأباطح أشرف وأكرم من قريش الظواهر، لأن البطحاويين من قريش حاضرة، وهم قطان الحرم، والظواهر أعراب البادية جهة حُنَين، وضاحية كل بلد ناحيتها البارزة".
تلك القبائل التي سكنت البوادي أو التي سكنت المدن، لم تكن طبقة واحدة متساوية، وإنما هي ثلاث طوائف اجتماعية: أبناء القبيلة ومواليها وعبيدها.
أ‌- أبناء القبيلة الخُلَّص الذين ينتمون إليها بالدم، هم عماد القبيلة وقوامها، عليهم واجب حمايتها والدفاع عنها والعصبية لها.
ب‌- الموالي الذين هم أدنى منزلة من أبناء القبيلة، وهؤلاء إما أن يكونوا موالي بالجوار أو الحلف، وهو أن يحتمي بعض الأفراد بقبيلة أخرى غير قبيلتهم، فتتعهد بحمايتهم، على غرار ما فعل امرؤ القيس بعدما طرد من سلطة أبيه، وأهدرت كندة دمه، فلجأ بقبيلة ثُعَل في أقاصي الجبل:
(وا ثعلاً، وأين مني بني ثعلُ؟ *** *** ألا حبذا قوم يحلّـون بالجبل.
فأبلغ معْدا والعبّادَ وطـيءَ *** *** وكندة أني شاكرٌ بني ثــعل).
ومن الموالي أيضا العبيد المعتقون، فهم في حماية القبيلة، و"تكون العلاقة بين المعتق والعاتق ولاءً، فلا ينسى المعتَق فضل سيده وحسن صنيعه".
ت‌- العبيد، كانوا عادة من أسرى الحروب، أو ممن يشترى ويجلب من الأمم الأخرى: كالأحابيش... وكان هؤلاء أدنى مكانة من الموالي.
إن موضوع المرأة –سوسيولوجيا- في جاهلية العرب، قد يكون موضوع دراسة ونقد في كتاب، أو في مذكرة تخرج، وسأتناوله مقتضبا وموجزا بما يكفي هذا البحث البسيط.
فقد نزلت المرأة من نفس العربي منزلة رفيعة، فهي الأم والأخت والبنت والعشيقة، وقد عنى بها الشعراء عناية كبيرة، فهي مصدر إلهامهم، بذكرها تنشط القرائح وتهيج العواطف وتهنى النفوس، وهم في قصائدهم "يفتتحون أشواقهم وأحاسيسهم"، فها هو لبيد يؤكد في معلقته:
(عفّـت الديار محلها ومقامها ***** بمنًى تأبّد غولها فرجامــها.
بل ما تذكر من نوّار وقد نأت ***** وتقطعت أسبابها ورمامهـا.
مرّيّة، حلت بفيد وجـاورت ***** أهل الحجاز، فأين منك مرامها؟).
ويذكر الشعراء المرأةَ على أنها الحريصة على البيت، الحافظة للمال، التي تلوم على التبذير والإسراف، يقول حاتم الطائي:
(أماويّ، إن المال غادٍ ورائح ***** ويبقى من المال الأحاديث والذكر.
أماوي، إني لا أقول لسائل ***** إذا جاء يوما: حل في مالنا نزر..
وقد علم الأقوام لو أن حاتمَا ***** أراد ثراء المال كان له وفــرُ).
ومهما يكن من شيء، فإن مكانة المرأة في المجتمع الجاهلي دون مكانة الرجل بكثير، يقول المستشرق الفرنسي ريجيس بلاشير: "والعرب تحب الذكور، لأنهم جنود القبيلة ورجالها الحماة، أما المرأة فلا تغني في الحرب شيئا، بل تكون عبثا على القبيلة، لأنها مقصد الأعداء يريدونها سَبِيَّة، وسبي المرأة عندهم عار لا يُسكت عنه، ولا يَقعُد دونه إلا الوغد الذليل"، ولعل أدل قول على بغضهم للإناث قول الله تعالى (النحل/ 58-59): "إذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودّا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب، ألا ساء ما يحكمون".
وعلى طرف نقيض، نجد من النساء في الجاهلية من كانت سيدة وتاجرة وشاعرة ومن تستشار في تزويجها، ومنهم من قادت بعض أيام الجاهلية، فقد روى لنا صاحب الأغاني أن أم عمرٍو "كانت سببا في إثارة كثير من الغزوات، فتدفع قبيلة آل المرهَق إلى طلب الثأر لأخيها الباشق بن وقدان:
فـإن أنتم لم تطـلبوا بأخـيكم ***** فذروا السلاح، ووحشوا بالإبرق.
وخذوا المكاحل والمجاسد والبسوا ***** نقب النساء فـبئس آل المرهـق".

... يتبع ...


_________________
باشتياقٍ إليكَ يا الله ..
جئتكَ روحاً بلا حياة .. تحملني خُطىً أثقلتها الذنوب ..
و ألهثُ بأنفاسٍ هدَّها فرطُ الأنين
..
عثراتُ أيامِي تلاحقني .. وتحكمُ عليَّ أسوارَ اليأسِ .. فَلا أفيق ..!
وعتمةُ الهوَى حجَبتْ عنِّي أنوارَ الرحمـَـاتِ .. فتهتُ الطريق ..!
كم كانَ ليلي موجعاً ..
رغمَ صرخاتِ العتاب التي تقتلني كلَّ حين ..
رغمَ الحنين ..
رغمَ كل شيَء ..!
بحثتُ عن عمري على امتدادِ أيامي بعدَ بعثرة السِّنين ..
و لملمتُ الشتاتَ منيباً .. لأقف ببابك يا ملاذي ..
بقلم العضوة نازك الملائكة

نازك الملائكة
مشرف مادة اللغة العربية وآدابها
مشرف مادة اللغة العربية وآدابها

عدد المساهمات : 353
تاريخ التسجيل : 18/02/2012
العمر : 24

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الشعر العربي القديم (من 1- 11)

مُساهمة  نازك الملائكة في الإثنين ديسمبر 24, 2012 6:02 pm

يقول الجاحظ: "الكتاب هو الذي إذا نظرت إليه أطال إمتاعك، وآنس وحشتك، وشحذ طباعك، وبسط لسانك، وجوّد بيانك، وفخم ألفاظك، ومتح نفسك، وأنقض ظهرك، وشرح صدرك، ومنحك تعظيم القوم، وصداقة الملوك، وعرفت به شهر، ما لم تعرفه من أفواه الرجال في دهر..." (من كتاب البيان والتبيين، للجاحظ، ص301، ج2، ط2، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، 1998).
إنطلاقا من هذا القول، الذي آثرت أن يكون خلاصة عملي المتواضع، وعصارة تلك التجربة التي لا تمل؛ فما كنت فيها إلا "كمن يبيع الماء في حارة السقائين، أو كمن يحفر الآبار جنب الوديان"، ولم يكن عملي النقدي هذا إلا خطوة محتشمة لبادئ مبتدئ، حرصا على أن يكون هذا البحث رؤية غيورة على الشعر العربي القديم في جودة سبكه، وبلاغة معانيه، وفصاحة ناظميه.
وفي ختام هذه الدراسة، ألتمس من القارئ فيها روح التسامح والعذر، لأنني على غرار كل بني آدم، أمتلك الوهن والقصور، والخطأ والسهـو، وإن كان هذا أو ذاك، فإن لي عبرة وعزاء وسلوى فيما قاله أبو الفرج الأصبهاني: "... وإني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابا في يومه، إلا قال في غده: لو غُير هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يُستحسن، ولو قُدّم هذا لكان أفضل، ولو تُرك ذاك لكان أجمل، وهذا من أعظم العِبَر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر".
رجوت بهذا العمل الإشهار بالشعر العربي القديم (في جاهليّته)، وغايتي الوصول إلى رتبة الجدة والابتكار، فإن لم أسطع فحسبي أني جمعت متفرقا، ورتبت مختلطا، واختصرت مطولا، وأتممت ناقصا، ثم للمرة الثانية أعتذر للناظر في هذا البحث من خلل يراه، أو من لفظ لا يرضاه، فأقول: قلما يخلوا الإنسان من نسيان، وقلما من طغيان؛ وكل ما أتمنى أن أكون وفقت فيمل نويت وأردت، إذ قدمت لبنة أكاديمية متواضعة للدارسين، ربما يحتاجونها لسد ثلم، أو رأب صدع، فإن أصبت فهو حسبي، وإن أخفقت فأتمثل بقول المصطفى، صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجرٌ" (رواه ابن ماجة من حديث أبي هريرة).
وقبل أن أختم، وددت الإشادة إلى أمرين لا مناص من ذكرهما:
فأولهما: شكر وعرفان، بحيث أن الشكر ترجمان النية ولسان الطوية، والعرفان شاهد الإخلاص، وعنوان الاختصاص؛ وإن شكري وعرفاني إلى المشرفين على قسم النقد الأدبي في منتديات الجلفة التعليمية، وبالخصوص إلى أستاذتنا المشرفة "العمــ سراب ــر"، وإلى ناقدتنا المحترمة "ساجدة الروح"، وإلى حبيبنا وأخينا "فريدرامي"، لأن ثلاثتهم شملوني بحسن التوجيه، وبضرورة التنبيه، فكانوا كمن أجاءهم المخاض، ثم أنا الذي ولد، فأشكرهم جزيلا، شكر الأسير لمن أطلقه، وشكر المملوك لمن أعتقه، ومثلي من يعرف قدر الإحسان إذا عم، ويُعلي مكان المعروف إذا شمل، ويتمثل في رأيه بقوله:
(سيكفي الكريمَ إخاءُ الكريمِ ***** ويقنع بالودّ من توالــى).
وثانيهما، لدي اقتراح لهذا القسم خصيصا، إذ أنى يكون اسمه قسم النقد الأدبي ما لم يكن فيه نقد، فهناك مشاركات كثيرة لوحظت دون أن نرى فيها بصمات للملاحظين، وكلمات للناقدين، وآراء للمقترحين.
أما رأيي، "لو كان يُطاع لقصير أمر"، لنُعلي هذه الجملة، ولتكن حكمة هذا القسم: "لا مشاركة دون ردّ، ولا مقالة دون نقد".
حسبي أني أخلصت النية، وبذلت من الجهد الغاية، والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى الرشد، وآخر دعواي أنِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الصادق الأمين.

_________________
باشتياقٍ إليكَ يا الله ..
جئتكَ روحاً بلا حياة .. تحملني خُطىً أثقلتها الذنوب ..
و ألهثُ بأنفاسٍ هدَّها فرطُ الأنين
..
عثراتُ أيامِي تلاحقني .. وتحكمُ عليَّ أسوارَ اليأسِ .. فَلا أفيق ..!
وعتمةُ الهوَى حجَبتْ عنِّي أنوارَ الرحمـَـاتِ .. فتهتُ الطريق ..!
كم كانَ ليلي موجعاً ..
رغمَ صرخاتِ العتاب التي تقتلني كلَّ حين ..
رغمَ الحنين ..
رغمَ كل شيَء ..!
بحثتُ عن عمري على امتدادِ أيامي بعدَ بعثرة السِّنين ..
و لملمتُ الشتاتَ منيباً .. لأقف ببابك يا ملاذي ..
بقلم العضوة نازك الملائكة

نازك الملائكة
مشرف مادة اللغة العربية وآدابها
مشرف مادة اللغة العربية وآدابها

عدد المساهمات : 353
تاريخ التسجيل : 18/02/2012
العمر : 24

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الشعر العربي القديم (من 1- 11)

مُساهمة  Admin في الخميس ديسمبر 27, 2012 12:07 pm

مثابرة وتميز معهود بوركتي بنيتي نازك ...

_________________


Admin
Admin
Admin

عدد المساهمات : 739
تاريخ التسجيل : 01/08/2008

http://lycee17.almountadayat.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى